Affichage des articles dont le libellé est غشت 2008. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est غشت 2008. Afficher tous les articles

سعدات اللي عندو جداتو فالعرس

ليس مستغربا في المغرب أن تكون المؤسسة العسكرية واحدة من المؤسسات التي تسود فيها الرشوة أكثر من غيرها من مؤسسات المملكة، حسب تصريح لرئيس ترانسبارينسي المغرب. فحيثما انتفت الشفافية تعشش الرشوة والزبونية. وميزانية الجيش وطريقة تسيير المؤسسة العسكرية، إضافة إلى ميزانية القصر، تعتبر من الموضوعات المحرمة على المناقشة البرلمانية.

ولذلك فالمغرب يعتبر إحدى الدول القلائل في العالم التي تحول فيها الجنرالات وكبار المسؤولين بالجيش إلى أثرياء يملكون عقارات وأراضي فلاحية ومراكب صيد في أعالي البحار ويملك أبناؤهم وزوجاتهم منشآت صناعية، بعضها له علاقة وثيقة بالمواد الغذائية التي تتزود بها ثكنات العسكر، والمعدات التي يحتاجها العسكر ورجال الدرك كالألبسة والأحذية وغيرها.

بعض هؤلاء المسؤولين السامين في الجيش يتصورون أن سلطتهم تتجاوز حدود ثكناتهم، وأن الجميع يجب أن يكون في خدمتهم سواء داخل الثكنة أو خارجها. ولذلك قرر أحدهم من المقيمين على الشريط البحري لبوزنيقة أواسط هذا الشهر أن ينزل إلى الشاطئ المقابل لإقامته ويقطع بنفسه الخيط الذي يصل الإذاعة الشاطئية بالمولد الكهربائي. فسيادته لا يتحمل ضجيج الأطفال وهم يؤدون أناشيدهم الصباحية على الشاطئ.

وليس أناشيد الأطفال فقط، فيبدو أن سعادته لا يطيق رؤية أية سيارة واقفة أمام فيلته. مع أن الوقوف مسموح به قانونيا على طول الشريط.
ولذلك خرج قبل أيام منتفخ الأوداج وصعد فوق السيارات وبدأ «يشتف» عليها واحدة واحدة، إلى أن «بغجها» جميعها.

وبما أن الأمر يتعلق بمسؤول كبير في الجيش فإن أصحاب السيارات «كمدوها» وسكتوا، لأنهم يعرفون مسبقا أنهم محظوظون لأن «الدقة» جاءت في السيارة فقط، ولم يجدوا أنفسهم متابعين بتهمة إهانة مسؤول عسكري سامي أثناء أدائه لقيلولته.

شطط كبار المسؤولين في الجيش لا يعاني منه بعض المدنيين فقط، بل إن أكبر من يعاني من شطط هؤلاء المسؤولين هم العسكريون الذين يشتغلون تحت إمرتهم. فالطاعة والانضباط تتحول إلى استعباد وإهانة وخوف يكاد يكون يوميا من التعرض لعقوبات حبسية أو الوقوف أمام محكمة عسكرية. وليس مدهشا أن تجد اليوم في مغرب الحداثة والمعاصرة جنرالا أو كولونيلا لديه وحده فيلق من الجنود يسهرون على راحته وراحة زوجته وأبنائه. فمنهم الطباخون ومنهم الذين يقومون بأشغال التنظيف في البيت ومنهم السائقون الذين يصحبون الزوجة إلى الأسواق والأبناء إلى المدرسة. وعندما يحتاج أحد كبار المسؤولين العسكريين عمالا يشتغلون في ضيعته، يختار من ثكنته من يصلح لهذه المهمة، وعندما يريد بناء أو توسيع فيلته، فلديه ما يكفيه من عمال بناء بين فيالقه العسكرية.

حتى أصبحت «معيشة بيليكي» موضة أغلب كبار العسكريين. حتى ولو تسببت هذه الموضة في تجويع مئات العسكريين الذين يقتاتون في الثكنات، والذين يوحي منظر بعضهم بأنهم يعانون من سوء تغذية مزمن.

ومن شدة الخوف الذي يعاني منه العسكر في بعض الثكنات، وقعت مؤخرا حادثة طريفة في شكلها غير أن مضمونها يخفي مدى الرعب الذي يشعر به بعض العسكريين أمام مسؤوليهم. فقد تغيب إمام المسجد التابع لإحدى الثكنات وتولى الصلاة بالعسكر الكوماندون شاف. وعندما قام الإمام من الركوع وقال «سمع الله لمن حمده»، أجاب المصلون جميعا «ربنا ولك الحمد»، إلا واحدا نسي أنه بين يدي الله وقال «ربنا ولك الحمد أمون كوموندون شاف».

ولذلك فليس غريبا في ظل هذه العلاقة بين العسكريين ومرؤوسيهم المبنية على الرعب، أن نكتشف أن حبس الزاكي بسلا يوجد فيه اليوم أكثر من 300 جندي و12 ضابطا وأربعة كلونيلات. وأغلب هؤلاء الجنود، حسب المحكمة العسكرية التي حاكمتهم، يقضون عقوبة حبسية بسبب فرارهم من الخدمة العسكرية. ومنهم ممرضون وأطر يقررون بعد انتهاء عقد عملهم مع القوات المسلحة الملكية تقديم طلبات لمغادرة صفوف الجيش.

وإذا كان بعض هؤلاء المعتقلين قد قرر أن يضع حدا لمشواره العسكري في صفوف القوات المسلحة الملكية قبل انتهاء عقده القانوني، فإن آخرين يجدون أنفسهم في حبس الزاكي لمجرد أنهم تجرؤوا ووجهوا طلب إعفائهم من الخدمة بعد انتهاء مدة العقد الذي وقعوا عليه يوم دخولهم.

فقد اكتشفت القيادة العليا للقوات المسلحة أن كثيرا من الجنود الذين قضوا عشر سنوات في صفوف الجيش كممرضين ومهندسين وأطباء يختارون بعد انتهاء مدة عقدهم مغادرة صفوف الجيش للعمل في القطاع الخاص برواتب تضاعف رواتبهم في الجيش ثلاث أو أربع مرات.

ولكي تثني القيادة العليا هؤلاء الجنود عن المغادرة اهتدت إلى رفع العقوبة الحبسية لفارين من الجندية، وأصبحت اليوم سنة بعد أن كانت محدودة في ستة أشهر. وليس الفارون من الجندية من ينتهون في حبس الزاكي، وإنما حتى بعض الذين تجرؤوا وطلبوا إعفاءهم بعد انتهاء عقدهم مع الجيش. وليست التهم ما يعوز القيادة العليا لكي ينتهي عسكري في السجن. فمجرد عدم الاعتدال في الوقفة عند مرور جنرال يكفي لإرسال العسكري إلى السجن بتهمة عدم الانضباط.

وبعد قضاء ستة أشهر في حبس الزاكي يستطيع طالبو الإعفاء أن يغادروا الجيش إذا أرادوا. فعندها تكون القيادة العليا متأكدة من أن سيرة هؤلاء العسكريين السابقين الذاتية والمهنية التي تلطخها ستة أشهر سجنا كافية لكي تحرمهم من ولوج سوق الشغل في القطاع الخاص.

وحتى الذين ترفض طلبات إعفائهم بعد انتهاء مدة العقد الذي يجمعهم بالقوات المسلحة الملكية، ويبقون في خدمة الجيش، يتحول طلب إعفاء بعضهم إلى وصمة عار في ملفهم، تحول دون ترقيتهم. مع أن القانون يقول أن العقد شريعة المتعاقدين، وفي جميع جيوش العالم للعسكريين الاختيار بين تمديد عقدهم أو إنهائه بمجرد انتهاء مدته.

وطبعا هناك حالات يطبق فيها القانون، خصوصا الذين لديهم جدتهم في العرس. فالقانون في الجيش كما عند المدنيين يسري على البعض في الوقت الذي يدوسه البعض الآخر. ومثال الكولونيل التريكي الذي زور محضرا رسميا في حادثة فندق «أونفيتريت» المميتة بالصخيرات وأرسله صهره الجنرال حسني بنسليمان إلى بيته ليستريح ثلاثة أشهر، خير مثال على أن الصرامة العسكرية لا تطبق على الجميع بنفس الكيفية.

وآخر مثال على هؤلاء الذين لديهم جداتهم في العرس، ما وقع قبل يومين في مطار محمد الخامس عندما اعتقلت شرطة المطار امرأة على خلفية وجود شيك بذمتها بقيمة أربعة آلاف درهم، وحرروا لها محضرا وقرروا متابعتها في حالة اعتقال، تماما كما يصنعون مع المواطنين العاديين في هذه الحالة. سوى أن المرأة لم تكن مواطنة عادية، واتضح لرجال الشرطة أنها إحدى قريبات الشرقي أضريس، المدير العام للأمن الوطني. فاعتذروا لها وجاؤوها بالعصير والشاي وكتبوا لها محضرا آخر لكي تتابع في حالة سراح، وركبت طائرتها وغادرت بسلام.

وخلال هذا الوقت، كانت شرطة الجمارك توقف أستاذة مغربية مسافرة إلى كندا هي ورضيعها وزوجها في إطار الهجرة العائلية، بتهمة ارتكاب حادثة سير سنة 2002 بسيارة غولف مع جنحة الفرار بمدينة القنيطرة. فكان على الزوج أن يسافر وعلى الأستاذة أمال التازي أن تذهب في حالة اعتقال إلى كوميسارية المعاريف حيث قضت ثمان وأربعين ساعة في مكان قذر برفقة حاج بلباسه الأبيض كان ذاهبا إلى العمرة فأعيد من المطار لأنه أمضى شيكا بأربعة آلاف درهم على سبيل الضمانة لأحد أصدقائه، ومهاجرة من إفريقيا السوداء ضبطوها وهي تخفي المخدرات في شعرها، بعض بنات الليل وشاذ جنسي يلبس لباس النساء يسمي نفسه «نبيلة» ألقته الشرطة في جناح النساء.

وحتى لكي تشرب كان على الأستاذة المعتقلة أن تدفع رشوة 200 درهم لأحد رجال الأمن لكي يحضر الماء إليها.

وفي الأخير وبعد قضاء ثلاثة أيام في الزنزانة النتنة اتضح للشرطة أن الأستاذة لم تكن تملك يوما سيارة من نوع «غولف» سوداء اللون، بل سيارة من نوع «أونو» بيضاء اللون. فأفرج عنها لكي تلتحق بزوجها عبر رحلة جوية لاحقة إلى كندا كلفتها ألفين درهم إضافية كتكاليف لتغيير موعد السفر.

وبعد ذلك يتساءلون لماذا يهاجر المغاربة بعائلاتهم إلى كندا وأمريكا وأوربا. الجواب بسيط، إنهم يبحثون عن الأمان والعدل والمساواة. ثلاثة شروط أساسية لحياة الكائن البشري وتقدمه ورخائه لازلنا نفتقدها في المغرب.

العدد 605 الخميس 28 اغسطس 2008

أطلبوا الشوهة ولو في الصين

في مقابلة له مع وكالة الأنباء الألمانية طالب هشام الكروج، الذي تحول خلال الدورة الأخيرة لمنافسات أولمبياد بكين إلى صحافي يكتب الافتتاحيات في بعض الجرائد، الاتحادات الرياضية الدولية واللجنة الأولمبية الدولية بإيجاد حل لمشكلة تجنيس وهجرة اللاعبين من بلدانهم للانتساب إلى بلدان أخرى.

فيبدو أن منظر العداء بحريني الجنسية ومغربي الأصل، رشيد رمزي، وهو يقوم بالدورة الشرفية حول مضمار السباق ملتحفا بالعلم البحريني بعد فوزه بالميدالية الذهبية قد تسبب لبعض أعضاء اللجنة الأولمبية المغربية في وخز ضمير حاد. على افتراض أن بعضهم مازال لديه ضمير.

ويظهر أن أبطال المغرب السابقين مثل الكروج وسعيد عويطة يستطيعون الحديث عن هجرة الرياضيين المغاربة نحو بلدان أخرى، بينما ينسون أنهم هم أنفسهم هاجروا صحافيا من التعليق على منافسات بكين في قنوات تلفزيونية وطنية نحو قناة الجزيرة الرياضية التي ارتبطوا معها بعقود سمينة. ولو كان الإعلام الرياضي المغربي يحترم نفسه لكان تعاقد مع أبطاله العالميين السابقين لكي يعلقوا حصريا للمشاهدين المغاربة داخل المغرب وخارجه على منافسات بكين، بدارجة مغربية واضحة عوض تلك العربية المفككة المليئة بالأخطاء التي تشبه عربية المسلسلات المكسيكية المدبلجة.

كل الذين تابعوا وصول رشيد رمزي أولا في سباق 1500 متر، شاهدوا مساعده وهو يحمل إليه هاتفا لكي يتحدث فيه. كان رئيس البعثة البحرينية ينقل إلى رمزي تهاني ملك البحرين على الذهبية الثمينة التي ستجعل دولة صغيرة مثل البحرين لا يتعدى عدد سكانها 800 ألف نسمة، تأخذ مكانها في سبورة الترتيب ضمن الدول الفائزة بالذهب الأولمبي. فما الذي حدث حتى تخلى رشيد رمزي عن علم المغرب وفضل حمل علم دولة البحرين. ومن حرم المغرب من بطل أولمبي كان يمكن أن يتلقى تهاني الملك محمد السادس عوض تهاني حمد بن عيسى آل خليفة.

إن قصة اللجوء الرياضي لرشيد رمزي نحو دولة البحرين تلخص الوضع المنحط الذي وصل إليه التسيير الرياضي في المغرب. إذ ليس رشيد رمزي وحده من يجري تحت راية دولة البحرين وإنما هناك ثلاثة عدائين آخرين وعداءة، كانوا جميعهم يمارسون في أندية مغربية، قبل أن يطلقوا سيقانهم للريح ويفروا نحو ملاعب الأشقاء العرب. وعوض أن ينظر بعض المسؤولين إلى هؤلاء الرياضيين المغاربة من طالبي اللجوء الرياضي كخونة تخلوا عن حمل العلم الوطني في المنافسات الدولية، عليهم أن يكونوا صريحين مع أنفسهم ويسألوا بعضهم البعض عن الأسباب التي جعلت هؤلاء الرياضيين المغاربة يفضلون المغادرة الواحد تلو الآخر.

أستطيع أن أقول أن الجمهور المغربي اقتسم مع رشيد رمزي فرحة الفوز بالميدالية الذهبية، رغم أنهم سمعوا مكان نشيد «منبت الأحرار» نشيدا عربيا آخر يتعرفون على كلماته لأول مرة. فرمزي يجسد في لاوعي المغاربة انتصار المظلوم الذي رفض رؤساؤه الإيمان بمواهبه ومقدراته واستهانوا بمستقبله. وهاهو يثبت لهم جميعا أنهم كانوا مخطئين، وعلى رأسهم عزيز داودة، عندما «كبروا» فيه عشرين ألف درهم، ثمن العملية الجراحية التي كان يتطلبها فخذه بعد إصابة تعرض لها خلال التداريب، وطردوه من المعهد الوطني للرياضات بالرباط. فقد كانت جامعة ألعاب القوى مهتمة أكثر بالكروج وبقية الأبطال الجاهزين لصعود منصات التتويج، ولا وقت لديها للاهتمام بعداء مغربي شاب كرمزي أحرز مركز وصيف بطل إفريقيا للشبان.

ماذا كانوا ينتظرون من شاب فصل مستقبله على مقاس حلبات الجري، بعد أن ترك مقاعد الدراسة بمستوى الرابعة إعدادي، أن يصنع بعد تلقيه لقرار الطرد بإصابة بليغة في الفخذ، وأخرى أكثر قسوة في الكرامة. لقد اتخذ القرار الذي كان سيتخذه كل مغربي يوجد في مكانه. غير جنسيته وبدأ يركض تحت علم دولة البحرين التي احتضنته ووفرت له جميع الإمكانيات من أجل الظفر بذهبية بكين. فهل أخطأ رمزي لأنه أنقذ باتخاذه لقرار الهجرة والتجنيس مستقبله الرياضي من الفشل، أم أن الخطأ يتحمله أولئك الذين تسببوا في طرده من المعهد الوطني لألعاب القوى بذلك الشكل المهين وهو مصاب في حاجة إلى علاج.

على هؤلاء المسؤولين الذين تناقلت الصحف أخبار احتلالهم لغرف انفرادية في بكين وكأنهم هم الذين سينزلون إلى حلبات المنافسة، في الوقت الذي كدسوا فيه اللاعبين مثل الأسماك في غرف مشتركة، أن يتأملوا جيدا عودة رشيد رمزي إلى المغرب لمتابعة التداريب استعدادا لملتقيات زوريخ وبروكسيل وشتودغارت. نفس الهواء الذي يستنشقه بقية العدائين المغاربة سيستنشقه رشيد رمزي، وسيركض في نفس المناطق الجبلية وفوق نفس العشب. وحده جواز السفر يختلف.

على هؤلاء المسؤولين الذين تناقلت الصحف أخبار تعثر رحلة عودة بعضهم إلى المغرب للثقل الزائد عن الحد القانوني في أمتعتهم بسبب كثرة مشترياتهم الصينية والذين ذهبوا إلى بكين كما لو أنهم ذاهبون إلى درب عمر، أن يتأملوا عمق الجملة التي نطقها مسؤول رفيع المستوى في الرياضة الصينية يدعى «جيزهون وي»، فقد قال بأن الرياضة الصينية بحاجة إلى إصلاح. إذا كانت الرياضة الصينية التي تألقت وحصلت على المرتبة الأولى في عدد الميداليات في الأولمبياد في حاجة إلى إصلاح فإن الرياضة المغربية التي تفوقت عليها أثيوبيا وأصبحت تتنافس مع أفغانستان على سبورة الترتيب، بحاجة إلى ثورة حقيقية.

بسبب هؤلاء المسؤولين الذين يختبئون اليوم جميعهم خوفا من تحمل وزر هذه الشوهة التي ذهبوا من أجلها إلى الصين، أصبح المغرب يحتل المرتبة 65 في دورة بكين.

قبل أسبوع خرج المندوب السامي للتخطيط يندد في وسائل الإعلام العمومية بالظلم الذي يتعرض له المغرب كلما صدر تقرير دولي يصنف الدول حسب مستوى عيشها وتنميتها، وجاء تصنيف المغرب في الرتب الأخيرة. فهل ظلمتنا سبورة الترتيب في بكين هي أيضا حتى احتللنا أسفلها.

أظن أن رتبة المغرب في بكين لم يظلمنا فيها أحد، وليست هناك دول جلبت إلى حلبات المنافسة أبطالا وهميين حصلوا على ميداليات كانت من نصيبنا.

إن رتبتنا المتدنية في بكين تعكس حقيقة واقعنا الرياضي المبني على الغش والتحايل والمجانية والهواية في التسيير، واستصغار واحتقار الطاقات الواعدة، وتكسير طموحها في المهد.

إذ ما معنى أن يرافق الوفد الرسمي أشخاص لا علاقة لهم بالرياضات المشاركة، في الوقت الذي يحرم فيه من مرافقة الوفد عناصر أساسية كمدربي بطلي القفز الطولي والسباحة والتايكواندو. ما معنى أن يحتكر بعض هؤلاء استعمال السيارات المخصصة للرياضيين في القرية الأولمبية ويدفعون الرياضيين إلى استعمال سيارات الأجرة.

واضح أن هناك من ذهب إلى بكين ليقوم بالسياحة على حساب أموال دافعي الضرائب. وهؤلاء السياح الموسميون الذين يرافقون الوفود الرياضية الوطنية في كل مرة يأخذون الطائرة هم أول من يجب التخلص من رفقتهم، لأنها رفقة مكلفة لخزينة المملكة ولسمعة البلد.

إن هؤلاء السياح الموسميين المقيمين في الجامعات الرياضية ووزارة الشبيبة والرياضة لن يقدموا استقالتهم من «اللصوق» في «رأس» الرياضة الوطنية. لأنهم استلذوا امتصاص دمائها منذ عقود طويلة. لذلك فعملية فطمهم عن «البزولة» ستكون صعبة، بل مستحيلة.

وبدون عملية الفطام هذه سنرى عدائين وملاكمين ولاعبي جيدو ومصارعين ومدربين وأطباء رياضيين يحملون جنسيات أجنبية ويرفعون أعلام دول أخرى في الملتقيات الدولية.

لقد قلنا لكم أن الحافلة عندما تتوقف عليكم أن تفكروا في تغيير المحرك وليس السائق. أفلا تعقلون.

العدد 603 الثلاثاء 26 اغسطس 2008

الليف أم الزرواطة

سيكون من المستحسن أن يستغل وزير الداخلية احتلال رجاله ورجال الجنرال العنيكري للمؤسسات التعليمية بسيدي إفني، في محو أمية رؤسائهم القانونية وتحويل إقامتهم في فصول المدارس إلى جامعة صيفية لتعلم أبجديات القانون. فقد أتحفنا أحد رؤساء الدوائر الأمنية في سيدي إفني بتعريف غريب للصرامة التي أوصى بها وزير الداخلية رجاله، والتي ليست حسب ما قاله في اجتماعه مع أعضاء من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سوى «مكاين غير العصا والقانون».

واضح أن لدى بعض رؤساء الدوائر الأمنية خلطا تاريخيا بين القانون والعصا. فالقانون جاء أصلا لكي يضع حدا لسيادة العصا في مواجهة الاحتجاجات. والملك عندما ذكر الضرب في خطابه الأخير على أيدي المتلاعبين بأرزاق المغاربة، ذكره مقرونا بقوة القانون وسلطة القضاء المستقل. لكن يبدو أن البعض لازال يخلط بين الليف والزرواطة.

طوال خطاباته الأخيرة، ظل الملك يركز على احترام القانون وكرامة المواطنين، ويعيد على أسماع شعبه أن الدولة عاقدة العزم على ضمان العيش الكريم للطبقات الوسطى، وأن إصلاح القضاء أصبح ضرورة قصوى وحيوية.

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه الملك خلال خطابه الأخير يوم عشرين غشت، ذكرى ثورة الملك والشعب، كان عشرة رجال أمن وقوات مساعدة يحولون جسد مواطنين في سيدي إفني إلى ما يشبه كيسا رمليا في قاعة لفنون الحرب، وهم يقتادونهما إلى مخفر الأمن مضرجين بدمائهما لا يقويان على السير من فرط التعذيب.

إن ذلك الشريط الذي صور تلك الهمجية غير المبررة يضع نوايا وخطابات احترام حقوق الإنسان المغربي وكرامته موضع امتحان.

لأنه ليس من المنطقي ولا من باب الاحترام الواجب للملك، أن يسمع الشعب خطابا ملكيا في ذكرى ثورته إلى جانب الملك، يعده بالكرامة والرخاء والعدل والمساواة، بينما في الواقع يرى الشعب أبناءه تداس كرامتهم بالأحذية وتكسر عظامهم بالعصي والركلات واللكمات في الشارع دون أن يعرفوا حتى نوع التهمة الموجهة إليهم. وبينما يعد الملك شعبه بالعدالة المستقلة والنظيفة، نسمع رئيس دائرة أمنية يخترع تعريفا غريبا للعدالة ويتوعد المواطنين قائلا «مكاين غير القانون والعصا».

هناك خلل ما، فإما أن هؤلاء المسؤولين لا يستمعون إلى خطابات الملك، وإما أنهم يستمعون إليها لكنهم يصنعون ذلك بأذن من الطين وأخرى من العجين. وفي كلتا الحالتين فالأمر خطير جدا، لأنهم يعرضون خطابات الملك لامتحانات يومية على أرض الواقع، ويفعلون كل ما بوسعهم لكي يظل الخطاب حول الكرامة واحترام القانون خطابا والواقع شيئا آخر تماما.

لذلك فأول شيء يجب أن يقوم به الملك، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، هو إصدار أوامره بفتح تحقيق حول ملابسات الاعتداء الهمجي على هؤلاء المواطنين الأعزلين. لأن الذين ظهروا في ذلك الشريط وهم يعتدون على كرامة وسلامة هؤلاء المواطنين، دون أن يكونوا في وضع دفاع عن النفس أو في مواجهة خصم مسلح، يستحقون أن يقفوا أمام محكمة عسكرية لكي يجيبوا عن سؤال واحد هو «لماذا كل هذا الحقد الأعمى والهمجية المجانية ضد مواطنين أعزلين كان يمكن أن تسلموهما للأمن بمجرد وضع الأصفاد في يديهما».

إن فتح تحقيق في هذا الاعتداء لهو أحسن تفعيل لخطاب الكرامة والدفاع عن حقوق المغاربة الأساسية في العيش الحر الكريم. وهو أيضا أحسن تفعيل للخطاب حول استقلالية القضاء، والذي سيبت في هذه النازلة بتجرد وبعيدا عن ضغوطات العسكر وجنرالاتهم والأمن وموظفيه الكبار. لأنه سيكون رسالة واضحة للذين لازالوا يخلطون «الليف بالزرواطة» والقانون بالعصا.

خلال أحداث السبت الأسود في سيدي إفني، ظل ضحايا التدخلات العنيفة لقوات الأمن يعرضون كدماتهم الزرقاء وآثار الضرب والتعذيب الذي تعرضوا له أمام عدسات المصورين وأعضاء لجنة تقصي الحقائق ووفود الجمعيات الحقوقية التي جاءت تزورهم. ولم يكن هناك شريط يعرض قوات الأمن وهم متلبسون بتطبيق «الصرامة» التي أوصاهم بها وزير الداخلية. اليوم لدينا شريط مصور يعرض قوات الأمن في حالة تلبس بممارسة التعذيب والاعتداء والإهانة في الشارع العام. شريط تم وضعه في أحد أكبر وأكثر المواقع شهرة وزيارة عبر العالم. واليوم يتم تبادله بسرعة قياسية بين المواقع الإلكترونية العالمية، ويلقى إدانة قوية من كل من يشاهده.

هؤلاء الذين ظهروا في الشريط يلبسون زي رجال الأمن ويحملون شارته فوق أكتافهم وعلى صدورهم، أعطوا للعالم عن المغرب صورة البلد الذي لازالت فيه قوات الأمن تشتغل بعقلية سنوات الرصاص أيام الحسن الثاني. وبالتالي أساؤوا إلى صورة المغرب الذي يتحدث عنه الملك والحكومة والدولة المغربية، أقصد مغرب القطع مع ممارسات الماضي ومغرب الانتقال الديمقراطي، ومغرب الحداثة ودولة الحق والقانون، وما إلى ذلك من المسميات التي تنهار مثل قصر من الرمال أمام دقيقة وثلاث وأربعين ثانية من همجية الأمن أمام مواطنين أعزلين كان يفترض في هذا الأمن حمايتهما لا إرعابهما وتعذيبهما.

إن السكوت على مثل هذه الاعتداءات هو ما سيعطيها شرعية في المستقبل، والتساهل مع «أبطالها» هو ما سيعطي غيرهم إشارة واضحة للتمادي في اعتداءاتهم على المواطنين.

في الدول التي تحترم كرامة مواطنيها لا يمكن لأي حزب سياسي أو جمعية حقوقية أو نفس حرة أبية أن تقبل السكوت والخنوع وهي ترى رجلين مغربيين مسلمين تهان رجولتهما وكرامتهما بدون ذرة من الرأفة.

علينا أن نعرف ماذا نريد، هل نريد تطبيق العصا أم تطبيق القانون. إذا كنا نريد تطبيق العصا فيجب أن نعرف أننا نلعب بالنار. ويجب على هؤلاء اللاعبين بالنار والذين لازالوا يعتقدون أن المغربي مثل الكامون لا يعطي الرائحة إلا إذا تم طحنه، أن يتأملوا جيدا الأغنية التي تمت دبلجتها مع شريط «يوتوب» حول اعتداء سيدي إفني، إنه يحمل عنوان «بركان الغضب». إن الحفاظ على الأمن العام يمكن أن يتحقق بالقانون، وفي احترام تام لحقوق الإنسان. في شوارع باريس أحرق المشاغبون والمتظاهرون مئات السيارات، وكسروا مئات المحلات واعتدوا على عشرات الحافلات. ومع كل ذلك لم نر رجال التدخل السريع يعذبون مشاغبا في الشارع ويركلونه بأحذيتهم ويسددون له اللكمات والصفعات قبل اقتياده إلى المخفر. مما يعني أن الأمن العام يمكن المحافظة عليه في تناغم تام مع القانون.

أما المحافظة على الأمن العام بأساليب البربرية والهمجية فهي نفسها أكبر تهديد لهذا الأمن، لأنها أساليب ترعى المهانة والاحتقار، المواد الضرورية لكل انفجار.

لهذا فلكي يكون هناك معنى للخطابات حول القانون واستقلالية القضاء والدفاع عن كرامة المواطنين، فليس هناك من حل آخر غير الضرب «بقوة القانون» و«قوة القضاء المستقل» على يد كل من يعبث بهذا القانون ويعرض كرامة المغاربة للمهانة.

إذا اختارت الدولة أن تدفن رأسها في الرمال وأن تشيح بوجهها عن رؤية ما وقع في سيدي إفني، وأن تبارك بصمتها الهمجية والبربرية التي ارتكبت باسمها، معطية بذلك هدية ثمينة لخصوم المغرب، فالجميع سيفهم الرسالة.

أما إذا اختارت أن تطبق ما جاء في الخطب الملكية الأخيرة، وأن تضع كل مسؤول أمام مسؤولياته، في احترام للقانون واستقلاليته، فالجميع أيضا سيفهم الرسالة.

عليكم أن تختاروا يا سادة أي الرسالتين تريدون أن تبعثوا بها إلى المغاربة، رسالة «الليف» أم رسالة «الزرواطة».

لأن جميع الديمقراطيات التي نعرف أثبتت بالتجربة أن الجمع بين هاتين الرسالتين في العلبة نفسها غير ممكن إطلاقا.

العدد 602 الاثنين 25 اغسطس 2008

المستشار والخادم

حسب أحد معارف المستشار المغربي يحيى يحيى المعتقل في روما فالشرطة الإيطالية جاءت وطرقت باب غرفته في الفندق ووضعت القيود في معصميه وقادته إلى المخفر ثم قدمته إلى المحاكمة والتي بدورها حكمت عليه بسنتين ونصف.

وما نسي هذا المصدر الإشارة إليه هو أن الشرطة الإيطالية لا تقضي وقتها في طرق أبواب غرف السياح في الفنادق لكي تلقي عليهم القبض وتسلمهم إلى القضاء، وإنما طرقت غرفة المستشار يحيى يحيى، من دون كل غرف قاطني الفندق الآخرين، لأنها جاءت تسلمه مذكرة إلقاء القبض عليه في حالة دخوله التراب الأوربي، والتي أصدرتها المحكمة الإسبانية ضده بعد حكمها عليه بخمسة عشر شهرا سجنا.
ويبدو أن المستشار المغربي رفض تسلم مذكرة التوقيف، ودخل في عراك مع رجال الشرطة الإيطاليين، والذين اعتقلوه واقتادوه إلى المخفر، ومنه إلى محكمة المستعجلات.

هناك رواية أخرى قدمها محامي المستشار في جلسة الاستئناف التي مرت أمس الجمعة، وهي أن يحيى يحيى كان خارج الفندق، وعندما عاد ودخل غرفته وجد ثلاثة عناصر من الشرطة الإيطالية مع زوجته في الغرفة، وسألهم ماذا يصنعون في غرفته، فأخبروه بكونهم قدموا لاعتقاله كما تنص على ذلك مذكرة التوقيف الإسبانية. فلم يتمالك المستشار نفسه ورفع يده في وجه أحدهم، ولذلك اعتقلوه على الفور.

وقع هذا في الخامس من غشت، ولم يسمع أحد بالواقعة إلا قبل ثلاثة أيام. المغرب من جهته بمجرد ما وصله الخبر استدعى سفيره بروما للتشاور. وعينت القنصلية المغربية في روما محاميا للدفاع عن المستشار البرلماني «المناضل» في حزب صديق الملك، فؤاد عالي الهمة.

قبل انتشار خبر هذه الواقعة، كنا سألنا وزير الاتصال حول موقف الحكومة الرسمي مما وقع للخادم المغربي الذي وضع شكاية في سويسرا بابن العقيد القذافي يتهمه فيها بضربه وإهانته. فكان جواب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة أن المغرب لا دخل له في هذه القضية، وأن الموضوع، بعد تدخل الدبلوماسية المغربية لإطلاق سراح والدة الخادم المغربي وإعادتها من ليبيا إلى المغرب، أصبح مشكلا ليبيا سويسريا.

وكأن المواطن الذي تعرض للضرب على يد ابن الرئيس الليبي في سويسرا، ليس مواطنا مغربيا يحمل جواز السفر المغربي. وكأن مصيره لا يعني السفارة المغربية في سويسرا في شيء، مادامت سفارة المغرب في العاصمة الليبية تدخلت بسرية بالغة لإطلاق سراح والدته التي اعتقلتها السلطات الليبية للضغط على ابنها من أجل أن يسحب شكايته ضد ابن الرئيس.

هنا نكتشف أن الدبلوماسية المغربية لا تتدخل لصالح جميع المغاربة بالطريقة ذاتها كلما تعرضوا خارج المغرب لمشاكل. هناك المواطنون الذين يتوفرون على الحصانة مثل المستشار يحيى يحيى، والذين لا تكتفي في الوقوف إلى جانبهم بتحريك الدبلوماسية النشيطة في السر بل تذهب إلى حد استدعاء السفير للتشاور، وهي مسألة لا تحدث إلا في حالة نشوب أزمة دبلوماسية بين البلدين. ثم هناك الذين لا حصانة لهم، مثل الخادم المغربي، والذي لم تتجاهله الدبلوماسية السرية ولم تخصص له محاميا يدافع عنه فقط، بل تنكرت له الحكومة المغربية واعتبرت مشكلته شأنا ليبيا سويسريا. والفرق بين المستشار البرلماني والخادم في «الديمقراطية» المغربية واضح ولا يحتاج إلى تفصيل.

نستغرب كيف أن الخارجية الهولندية لم تتدخل لتقديم المساعدة القضائية للمستشار يحيي يحيى. فهو على كل حال يبقى مواطنا هولنديا يدين بالولاء للملكة بياتريس بالإضافة إلى ولائه للملك محمد السادس. ويحمل جنسية هولندا وجواز سفرها. كما نستغرب كيف أن إسبانيا التي يحمل أيضا المستشار يحيى يحيي جنسيتها ويدين بالولاء لملكها خوان كارلوس، لم تتدخل لدى الخارجية الإيطالية لاستفسارها حول سبب اعتقال مواطن إسباني من غرفته في الفندق.

فما الذي دفع الخارجية المغربية لكي تقوم باستدعاء السفير المغربي بروما إلى الرباط للتشاور في قضية كان يمكن أن تحل بواسطة تدخلات دبلوماسية في عين المكان. وهل ستعيد الدبلوماسية المغربية النشيطة الخطأ نفسه الذي ارتكبته مع السنغال عندما استعدت سفيرها للتشاور بعدما صرح أحدهم في حزب سنغالي لم يسمع به أحد من قبل في المغرب تصريحا معاديا لوحدتنا الترابية. فكاد ذلك أن يعصف بالعلاقات بين البلدين، لولا لجوء المغرب إلى دبلوماسية «أولياء الله الصالحين» لتعويض دبلوماسية «الزربة». خصوصا بعد أن اكتشفوا زاوية اسمها الزاوية التيجانية لديها تأثير روحي أقوى من تأثير دبلماسيتهم، فخصصت لحجاجهم الخطوط الملكية الجوية رحلات خاصة على متن خطوطها.

ثم هل يمكن أن نؤاخذ إيطاليا على تطبيق القانون في بلادها، عندما أرسلت رجال شرطتها لاعتقال أجنبي صدر في حقه حكم بالتوقيف في حالة دخوله التراب الأوربي.

وهل تمنح الحصانة البرلمانية صاحبها إمكانية الإفلات من الاعتقال في حالة ارتكابه مخالفات أو جنحا تخل بالأمن العام. الحصانة البرلمانية يمكن أن تمنح حاملها إمكانية تلقي معاملة استثنائية للأمن والقضاء، خصوصا إذا كانت الجنحة أو المخالفة التي يرتكبها حاملها لا تضيع آثارها بعدم اعتقاله على الفور، أي أن غياب عنصر التلبس يمنح حامل الحصانة إمكانية التمتع بالمتابعة في حالة سراح.

المشكلة أن الحصانة البرلمانية في المغرب تستعمل للإفلات من المتابعة القضائية سواء تعلق الأمر بالفساد المالي والسياسي أو بإصدار شيك بدون رصيد. وأكبر مثال على ذلك تصويت لجنة العدل والتشريع بالاجماع في البرلمان على طلب إسقاط المتابعة القضائية في حق البرلماني الاستقلالي يوسف التازي المتابع في ملف الفساد المالي بالدار البيضاء.

ولعل زميل يحيى يحيى السابق في البرلمان وزميله الحالي في حزب الأصالة والمعاصرة، الطالبي العلمي، الذي في ذمته ثلاثة عشر شيكا بدون رصيد، ينفع كمثال لشرح منافع الحصانة البرلمانية. فلم يستطع أصحاب الشيكات متابعته قضائيا إلا عندما غادر البرلمان، ومنذ مغادرته القبة إلى اليوم حوكم ثلاث مرات بسبب شيك بدون رصيد.

ويبدو أن حزب الهمة الجديد يجمع بين صفوفه إلى جانب المعتقلين السياسيين السابقين، عينة أخرى من «المناضلين» الذين لديهم سوابق مع الشرطة والمحاكم.

فليس الاتحاد الاشتراكي وحده هو الذي يضم بين صفوفه قدماء المعتقلين وسجناء الرأي، فحتى حزب الأصالة والمعاصرة الذي لم يظهر إلى الوجود سوى قبل بضعة أسابيع، يضم بين صفوفه معتقلين سياسيين يدخلون مخافر الأمن الإسباني والإيطالي بعد أن يخلطوا بين الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية وبين الدفاع عن حقهم في التمتع بالحصانة البرلمانية، ويزورن المحاكم بانتظام لتبرير لجوئهم أيام الشدة إلى إصدار شيكات بدون رصيد.

على العموم سيظل موقف الدبلوماسية المغربية المحايد حيال قضية الخادم المغربي بسويسرا، وموقفها المتحمس زيادة عن اللزوم لقضية البرلماني يحيى يحيى، نموذجا واضحا لدبلوماسية تشتغل بوجهين، وجه مبتسم للمواطنين من ذوي الحصانات ووجه آخر عبوس للذين ليس لهم سوى الله في بلدان الغربة.

ولذلك نرى كل تلك الألوف المؤلفة من المهاجرين المغاربة في الخارج يسارعون إلى وضع طلبات للحصول على جنسيات البلدان الأوربية التي يعيشون فيها. فهم يعرفون أن تلك الجوازات تبقى حصنهم الوحيد الذي يمكن أن يلجؤوا إليه ساعة الشدة. وليس الخطير في هذا الموضوع هو مسارعة المهاجرين المغاربة إلى تجنيس أنفسهم بجنسيات أجنبية، بل لجوؤهم إلى وضع دعاوى في المحاكم المغربية ضد أنفسهم لإسقاط الجنسية المغربية عنهم والاكتفاء بجنسية البلد الذي منحهم العمل والأمن والأمان، والأهم من ذلك كله، الكرامة.

فكل مغربي يحمل جنسية أجنبية ويرى في «يوتوب» ذلك الشريط الذي يعذب فيه رجال الشرطة والقوات المساعدة مواطنين في سيدي إفني بالركل واللكم والرفس، سيشعر بمغص حاد في كرامته وهو ينظر إلى جواز سفره المغربي الأخضر.

أحد «المصادر الأمنية» علق لإحدى الجرائد على هذا الفيديو قائلا «نحن لا نعلق على ما يبث في يوتوب، الكل يعرف كيف تصنع شرائط يوتوب».
أنتم لا تعلقون على ما يبث في «يوتوب» لأنكم تعلقون المواطنين مكان ذلك.

وإذا كان الجميع يعرف كيف تصنع شرائط «يوتوب»، فبفضل هذا الشريط أصبح العالم كله يعرف كيف تصنعون الأمن في المغرب.

العدد 601 الاحد 24 اغسطس 2008

مفهوم الأمن في دقيقة وثلاث وأربعين ثانية

خلال الشهر الماضي صورت منظمة إسرائيلية غير حكومية في قطاع غزة جنديا إسرائيليا يصوب بندقيته نحو أحد الفلسطينيين الموقوفين على مبعدة مترين ويصيبه برصاصة مطاطية في ساقه. كان الشاب الفلسطيني يحتج ضد بناء شريط أمني بالقرب من قرية نيلين بشمال قطاع غزة عندما أصابته الرصاصة المطاطية.

مباشرة بعد انتشار هذا الفيديو في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فتح الجيش الإسرائيلي تحقيقا وأوقف الضابط المسؤول عن العمل.

يحدث هذا في إسرائيل التي تحتل بلدا اسمه فلسطين، أما في المغرب فيمكن أن يشاهد الجميع شريطا عبر موقع «يوتوب» مدته دقيقة وثلاث وأربعون ثانية يظهر فيه حوالي عشرة من رجال الأمن وعناصر من القوات المساعدة يعذبون بوحشية مواطنين بعد إخراجهما من منزلهما إلى الشارع، ويقتادونهما إلى المخفر تحت وابل من الركلات واللكمات وضربات العصي.

إلى الآن لم نسمع أن وزارة الداخلية فتحت تحقيقا في هذه التجاوزات الوحشية ضد مواطنين أعزلين.

وطبعا لا يجب أن نؤاخذ هؤلاء العبيد المأمورين على وحشيتهم وساديتهم، فهم لا يفعلون غير تطبيق أوامر وزير الداخلية الذي أوصاهم «بمواجهة أي أعمال شغب بصرامة». وهكذا سيشاهد العالم بأسره كيف تتعامل قوات الأمن في المغرب بصرامة مع المواطنين. وشريط اليوتوب يشرح ذلك بالتفصيل. يجب أولا أن تقتحم بيت المطلوب للعدالة وأن تخرجه مجرورا من قفاه مثل خروف، ثم يأتي أحد رجال الأمن ويقفز حوالي متر إلى الأعلى ويسقط بكل ثقل حذائه العسكري فوق رأس المواطن الموقوف. وقد استغربت كيف أن هذا «البطل» لم يشارك ضمن المنتخب المغربي في ألعاب بكين الأولمبية، فالظاهر أنه يملك مواهب واعدة في رياضة القفز العلوي. بعد ذلك يأتي بقية زملائه ويشرع كل واحد منهم في ضرب جزء معين من جسد المواطن. هناك من يتخصص في تكسير قصبات الساق بضربات من حذائه، وهناك من يتخصص في تكسير الأنف والأسنان بركلات قدمه وقبضة يديه، وهناك من يتخصص في تكسير الأذرع بالعصي، هناك واحد متخصص فقط في ضرب المعتقل بركبته نحو مؤخرته وعموده الفقري.

في الحقيقة لقد أبلى هؤلاء الذين أرسلهم وزير الداخلية ليعيدوا الهدوء إلى سيدي إفني البلاء الحسن في شرح مفهوم «الصرامة» كما هدد بها الوزير سكان سيدي إفني، وعبرهم كل سكان المغرب.

دقيقة وثلاث وأربعون ثانية كانت كافية لكي نفهم أن أحسن قرار اتخذه سكان سيدي إفني بعد اندلاع أحداث السبت الأسود قبل أشهر، وقدوم لجنة لتقصي الحقائق، هو تغيير أبواب بيوتهم الخشبية بأخرى حديدية. فهاهي الأيام تظهر أن سكان سيدي إفني كانوا على صواب عندما اختاروا التوجه عند «السودورات» لكي يلحموا لهم أبوابا فولاذية عوض التوجه إلى الخيمة التي نصبتها لجنة تقصي الحقائق والانخداع بوعود وتطمينات الوزراء الذين حلوا بسيدي إفني ليحدثوهم عن التنمية الموعودة.

لا شيء إطلاقا كان يبرر كل هذه الهمجية التي يستحيل أن نرى مثيلا لها حتى في غزة المحتلة. أكثر من عشرة رجال غلاظ أشداء يتناوبون على رفس وكسر عظام وأسنان مواطنين لا حول لهما ولا قوة، لا يحملان سلاحا ولا يهددان بتفجير عبوة ولا يستطيعان حتى الدفاع عن وجهيهما الملطخين بالدماء.

ماذا قد يكون ارتكب هاذان المواطنان، وحتى إذا كانا قد ارتكبا ما يعرضهما للاعتقال والمحاكمة، فإن لا شيء يبرر اقتيادهما إلى مخفر الأمن وهما شبه جثتين محطمتي العظام ومفككتي المفاصل. لذلك فعوض أن يشجع وزير الداخلية رجاله ورجال الجنرال العنيكري على طحن عظام المواطنين بصرامة، كان عليه أن يحترم منصبه الوزاري، هو المهندس المتخرج من مدرسة القناطر الباريسية، ويوصي رجاله وجميع العناصر الأخرى التي تقاسم رجاله حفظ الأمن في سيدي إفني، باحترام القانون في عمليات التدخل، واعتقال من يخالفون القانون من المواطنين بلا حاجة إلى تعذيبهم في الشارع العام، وتسليمهم إلى الضابطة القضائية التي بدورها ستتولى تقديمهم أمام القضاء، السلطة الوحيدة المخولة لمعاقبة الجناة حسب ما ينص عليه القانون.

إن هذا الشريط الذي سيراه الملايين عبر العالم، يحمل رسالة واضحة لكل الذين تصوروا، بغباء أو بحسن نية، أن الدولة عندما سمحت بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ما وقع في سيدي إفني، كانت نادمة على التجاوزات التي قام بها رجال الشرقي أضريس والعنيكري، وأنها ستقلع عن اقترافها في المستقبل.

هذا الشريط يكشف بوحشية أن الذين أعطوا الأوامر بتعذيب المواطنين في الشارع العام لا يمكن رؤية مثلها سوى في بلدان وسط إفريقيا التي تعيش انفلاتا أمنيا وسياسيا، أرادوا أن يقولوا للجنة تقصي الحقائق ولكل تقارير المنظمات الحقوقية التي أدانت ما وقع في سيدي إفني، أنهم لا يقيمون لهم وزنا، ولا يعترفون ببرلمانهم ولا بتقاريرهم ولا بالمنظمات العالمية التي يرسلون إليها هذه التقارير لكي تعتمد عليها في ترتيب المغرب بين دول العالم في مجال احترام حقوق الإنسان.

بعض المنظمات الحقوقية التي حاولت أن تخفف من وقع تقاريرها عشية أحداث السبت الأسود في سيدي إفني، والتي تذرعت بعدم وجود حالات للاغتصاب بين النساء المعتقلات، واعتبرت أن التجاوزات التي وقعت ليست سوى تجاوزات طفيفة، ستجد في هذا الشريط الجديد ما يكفيها لكي تراجع أوراقها من جديد.

اللهم إذا كانت تنتظر حدوث حالات اغتصاب بالجملة في سيدي إفني لكي تعترف بأن تعذيب المواطنين في الشارع العام يعتبر انتهاكا لحقوقهم .

إن ما قاله وزير الداخلية للتلفزيون عندما وصل إلى الميناء يكشف عن فهم خطير للأمن، فقد جاء شكيب بنموسى إلى سيدي إفني لكي يطمئن المستثمرين والمهنيين، فقط، أما المواطنون فقد كان نصيبهم من تصريحات وزير الداخلية هو الوعيد. وهذا التمييز في تصريحات الوزير بين المستثمرين والمهنيين وبين السكان العاديين، فيه تحيز لوزارة الداخلية لأمن البعض دون أمن البعض الآخر. ولذلك أضاف أن قوات الأمن ستعمل على مواجهة أعمال الشغب التي ستعرفها المدينة بالصرامة اللازمة. ومن يريد أن يتعرف على كيفية مواجهة رجال شكيب بنموسى لأعمال الشغب بالصرامة اللازمة ما عليه سوى أن يذهب إلى أقرب مقهى إنترنيت ويضع اسم سيدي إفني في محرك البحث وسيرى الشريط الذي يشرح نظرية بنموسى في «الصرامة اللازمة» في دقيقة وثلاث وأربعين ثانية.

هناك اليوم من يتحدث عن وجود جهات خارجية تؤجج الأوضاع الاجتماعية في سيدي إفني، ولذلك فلا يجب تصديق خرافة المطالب الاجتماعية للسكان، لأنها فقط واجهة تخفي مطالب سياسية. وفي نظرهم فهذا التبرير كاف لاستعمال الوحشية الدموية في اعتقال المحتجين وشتم المواطنين في الشوارع بدون سبب واقتحام البيوت لاعتقال المشتبه فيهم.

وهناك من يقول بأن كل ما يحدث في سيدي إفني هو تعبير عن مطالب اجتماعية محضة، كالبنيات الطبية والطرقات وإصلاح الميناء وتوسيعه وخلق مناصب الشغل.

للتأكد من صحة هذه الفرضية ليس هناك حل آخر غير إخضاعها للتجربة. يجب على الدولة أن تشرع في تحقيق مطالب السكان الاجتماعية المشروعة. وعندما ستتحقق هذه المطالب ويتم فك العزلة عن المدينة، سنرى هل سيخرج السكان من جديد للاحتجاج. إذا خرجوا احتجاجا على مطالب سياسية غير مشروعة سنكون أول من يدين مثل هذه الحركات الانفصالية.

أما أن تتعثر مشاريع الإصلاح والتنمية التي وعد بها الوزراء الذين زاروا المدينة عقب اندلاع أحداث السبت الأسود، بحجة أن التعقيدات الإدارية هي السبب، كما قال وزير الداخلية، فليسمحوا لنا أن نقول لهم أن هذا هو العبث بعينه.

إنها نفس القصة القديمة التي ظلت تحكيها الداخلية منذ عشرات السنين في كل مرة تعجز عن إخراج منطقة من مناطق المغرب من عزلتها وتهميشها، فتسارع إلى تبرير عجزها ووحشية تدخلها بتعابير مستهلكة مثل «نظرا لحساسية المنطقة» و«الأطماع الخارجية»، و«خصوم الوحدة الترابية».

إن هذه الأسطوانة المشروخة لم تعد تقنع أحدا. ليس هناك حل آخر في سيدي إفني غير الإصلاح المستعجل للأعطاب الاجتماعية للمدينة. من الممكن أن تكون هناك جهات في المدينة تحركها حسابات سياسية خارجية، لكن هذا ليس مبررا لمعاقبة مدينة بكاملها والحكم عليها بالخيانة واعتبار سكانها مجرد خارجين عن القانون يهددون المستثمرين والمهنيين.

إذا كانت وزارة الداخلية تريد فعلا أن تسهر على تطبيق القانون والأمن العام في سيدي إفني، فيجب أن تحاكم رجالها الذين ظهروا في الشريط وهم يعذبون ويضربون بوحشية مواطنين في الشارع العام خارج كل الأعراف والقوانين الوطنية والدولية.

أما إذا كان الأمن مستحيل التحقق في هذه البلاد بدون هذه «الصرامة» الوحشية، فهناك ما يدعو فعلا للخوف من هذا الأمن الذي يشبه الرعب في صرامته الدموية.

العدد 600 الجمعه 22 اغسطس 2008

جورازيك بلاد

تبث القناة الثانية، الفرنسية طبعا، هذه الأيام سلسلة عنوانها «أرض الضوء» تدور أحداثها خلال فترة الثلاثينات في الجنوب الفرنسي والمغربي. الذين تابعوا الحلقات الأولى لاحظوا بدون شك أن المخرج الفرنسي لم يتعب نفسه كثيرا في إعادة تشكيل الديكور لكي يصور فيه أحداث سلسلته التي تدور خلال خضوع المغرب للحماية الفرنسية. ببساطة لأن الديكور لازال على حاله في مناطق الجنوب التي لم تصلها بعد لا أنابيب الماء الصالح للشرب ولا أسلاك كهرباء بنخضرا.

لذلك فمخرج السلسلة وجد الديكور جاهزا، القرى نفسها التي ظلت صامدة منذ بداية القرن، والرجال يلبسون نفس الأزياء البسيطة، والدواب نفسها التي استعملها الأجداد لازالت تستعمل كوسائل نقل في طرق وعرة لم تصلها بعد معاول كريم غلاب.

عندما نسمع البعض يربط حصيلة تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب، والتي وصلت خلال هذه السنة 850 مليون درهم، بالتقدم الحاصل في إدارة الشأن السينمائي المغربي، نفهم أن هناك من يريد أن ينسب الأشياء إلى غير أصلها. فإذا كانت شركات الإنتاج السينمائية العالمية تفضل القدوم إلى المغرب، فليس لأن المركز السينمائي المغربي يوفر أستوديوهات ومعدات تقنية متطورة للتصوير، ومختبرات رقمية لمعالجة الصور بأحدث المؤثرات الصوتية والمشاهد الخاصة، أو ممثلين عالميين يستطيعون أن ينتزعوا أدوار البطولة إلى جانب نجوم السينما العالمية، ولكن لأن هؤلاء المنتجين والمخرجين يختارون المغرب لتصوير أفلامهم لأنهم ببساطة شديدة يرونه على هيئة أستوديو كبير من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. فالمغرب بمدنه غير مكتملة البناء، وأحيائه العشوائية وطرقه المحفرة وحركة سيره الفوضوية، يعطي إمكانية تصوير كل السيناريوهات التي يمكن أن تأتي على بال أكثر المخرجين جنونا.

إذا كنت تريد تصوير فيلم عن حياة المسيح عليه السلام، فالأمر في غاية السهولة. فنواحي وارزازات تشبه كثيرا أرض المقدس في فترة ظهور المسيح. والناس لازالوا يلبسون الثياب نفسها التي كان يلبسها حواريو المسيح. وهناك قبائل في نواحي وارزازات والراشيدية لازال سكانها يعتبرون الحذاء ترفا لا يناله إلا المحظوظون، والأطفال هناك يتراكضون بين أزقة الدوار المتربة حفاة شبه عراة.

أما بالنسبة للكومبارس فالأمر سهل، فعندما ترى الممثلين المغاربة الذين يظهرون في التلفزيون خلال رمضان دفعة واحدة، يتجولون في وسط العاصمة مطلقين لحاهم، فيجب أن تفهم أنهم يستعدون للنزول إلى وارزازات للعب في فيلم حول حياة المسيح. فأتباع سيدنا عيسى كانوا كلهم ملتحين، وممثلونا يبدو أنهم لا يحبون اللحى المستعارة ولذلك يشاركون في هذه الأفلام بلحاهم الأصلية. هكذا بالإضافة إلى توفير تعويضات ساعات العمل يوفرون ثمن شفرات الحلاقة أيضا.

والمغرب ليس فقط أستوديو مفتوحا من عند الله يمكن أن تصور فيه حياة الأنبياء والمرسلين جميعا دون أن تكون محتاجا لتحريك شجرة واحدة من مكانها، وإنما يمكن اعتباره هوليود قائمة بذاتها.

ولا نستغرب إذا عرفنا أن أغلب الأفلام الأمريكية التي نزلت إلى القاعات مؤخرا حول الحرب في العراق تم تصويرها في المغرب. وفي سلا كان كافيا بالنسبة للمخرج الأمريكي أن يرسم صورة صدام حسين وهو يلوح ببندقيته في الهواء على حائط أحد الأحياء بسيدي موسى، لكي يتحول الحي بقدرة قادر إلى أحد الأحياء الخربة في النجف الأشرف. وقبله وجد مخرج أمريكي آخر أن بعض أحياء سلا تشبه الصومال، فصور فيها جزءا من أحداث فيلمه «سقوط الطائر الأسود».

وهذا يذكرنا بتلك النكتة التي تقول أن الرئيس الأمريكي طلب صورا جوية لبعض البلدان الإسلامية ومنها المغرب، وعندما أتوه بالصور الجوية لبعض المدن والقرى المغربية تأملها ثم قال لهم غاضبا :
- ياك كلنا ليكم غير صوروها، علاش ضربتوها...

وفي مراكش اكترى أحد المخرجين حيا في الداوديات لكي يصور فيه مشهدا في فيلم حول مدينة عراقية تشهد مواجهات بين المقاومة والأمريكيين، بعد أن وجد أن بيوت هذا الحي هي الأكثر شبها بأحياء بغداد المثقوبة بالرصاص والقذائف.

وفي الدار البيضاء، المدينة الأكثر حداثة في المغرب، حول أحد المخرجين الأجانب واجهة فندق لينكولن سابقا إلى أحد أحياء بيروت خلال الحرب الأهلية، فقط بوضعه لدبابة وبضع سيارات محترقة في الشارع. فأصبح شارع محمد الخامس شبيها بشارع القناصة في بيروت خلال الثمانينات.

أما في طنجة فقد حول أحد المخرجين بمعية الممثل العالمي «مات ديمون» أسطح بيوت مدينتها القديمة إلى ساحة مواجهة بين البطل ومطارديه الأشرار، دون أن يحتاج إلى بناء ديكور لتصوير المتاهات التي سيضيع عبرها البطل، لأن أزقة طنجة القديمة مصنوعة أصلا على شكل متاهة. وهي المتاهات نفسها التي طارد عبرها أشرار آخرون العميل «جيمس بوند» في نسخه الأولى سنوات السبعينات. ونفس المتاهات أيضا التي صور فيها بيرناردو بيتولوتشي فيلمه «شاي في الصحراء»، الذي كتب قصته بول بولز، والذي لم يغادر بالمناسبة بيته بتلك المتاهات الضيقة بقلب طنجة إلى أن مات.

أما في الرباط فقط أخلت وزارة المالية مقرها للمخرج ريدلي سكوت والذي وجد أنها تصلح لتكون في فيلمه «جسد الأكاذيب» من بطولة «ليوناردو دي كابريو»، مقرا لمركز المخابرات الأردنية. بينما اختار المخرج واجهة مقر وكالة المغرب العربي للأنباء لكي يستعيض به عن مشاهد طواف الحجاج المحرمين حول مكة. وطبعا فقد استعان المخرج بأقواس الوكالة للتمويه لكي يعطي الانطباع بأن اللقطة تدور في مكة وليس أمام مقر وكالة الخباشي. وجلس المواطنون على رصيف المقاهي المقابلة للوكالة يتأملون هؤلاء الحجاج بلباس الإحرام الذين يطوفون على الرصيف. من حسن حظ الخباشي مدير الوكالة (وكالة الأنباء وليس وكالة الاستخبارات الأردنية) أن اللقطة لم تكن تتضمن رمي الجمرات.

المهم أن المغرب يصلح لتصوير أفلام الحرب الأهلية في الصومال ولبنان، كما يصلح لتصوير الاحتلال العسكري لأفغانستان والعراق، دون أدنى حاجة لتعديل الديكور. وإذا ابتعدت عن شوارع المدن وأحيائها غير مكتملة البناء وذهبت إلى المغرب العميق، فيمكن أن تدخل في العصر الوسيط بسهولة، وتجد مواطنين لازالوا يعيشون عصر اكتشاف العجلة. كما يمكنك أن تكتشف مغاربة لازالوا يعيشون عصر الالتقاط وآخرون يعيشون العصر البرونزي وعصر اكتشاف النار. وإذا توغلت في قرى الأطلس بنواحي تونفيت وأنفكو وبومية فيمكن أن تستنشق نسائم العصر الجوراسي الأول، ولا غرابة في ذلك، فجد الديناصورات عاش في تلك الأعالي قبل ملايين السنين. ومن سوء حظ هذا الديناصور أن عظامه وقعت بين أيدي وزير الطاقة والمعادن السابق بوثعلب (بوطالب بالفرنسية) والذي لم يتردد في جمعها في كيس وإنزالها إلى قبو في الوزارة، بعد أن كان هيكل الديناصور يقف منتصبا في مدخل الوزارة.

ولو كان لدينا منتج مقتدر يستطيع أن يرصد ميزانية ضخمة لإنتاج فيلم عالمي حول المغرب اسمه «جورازيك بلاد» على وزن «جورازيك بارك» لسبيلبرغ، لأصبح المغرب مشهورا ليس فقط بإمكانياته الطبيعية المذهلة، ولكن أيضا بديناصوراته الخرافية التي لا تريد أن تنقرض.
عندما نتأمل لائحة صادرات المغرب نكتشف أن المغرب يحتل الرتبة الأولى عالميا في تصدير بعض المنتجات التي لا دخل للإنسان فيها.

فهي كلها منتجات طبيعية وهبها الله تعالى لهذه البلاد، والإضافة الوحيدة التي يقوم بها المغرب هو أنه يستخرجها ويبيعها خاما في الأسواق العالمية. وعلى رأس هذه المنتجات نجد الفوسفاط والأسماك والغاسول والخروب والحلزون والحمير والصابون البلدي والحرمل والشبة وزيت الهندية وزيت أرغان. وكل هذه المعادن والنباتات والثمار والحيوانات موجودة في أرض المغرب قبل ظهور الإنسان على وجهها.

واليوم نرى كيف يريد البعض أن ينسب ارتفاع مداخيل تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب إلى التقدم الحاصل في إدارة الشأن السينمائي الوطني. والحال أن ما يجذب المنتجين الأجانب نحو المغرب هو توفره على مدن تصلح لتصوير الفوضى والحروب الأهلية والمواجهات الحربية بأقل التكاليف الممكنة، وتوفره أيضا على بعد مائة كلم من المدن على العصور التاريخية كلها بدءا من العصر الطباشيري والعصر الحجري، وربما حتى العصر الغبري، أي ذلك العصر الذي سبق تكون الحجر ولم يكن سائدا فيه سوى الغبرة. وهذا اجتهاد جيولوجي من عندي طبعا.

ثم إن أهم شيء يجذب المنتجين السينمائيين الغربيين نحو المغرب هو أنهم يضمنون في السنة 365 يوما من التصوير كلها شمس. الشيء الذي لا يمكن أن يعثروا عليه في بلدانهم التي عليهم أن يقطعوا فيها التصوير في كل مرة تهطل فيها الأمطار، ولا أحد يعرف متى ستنحسر. ولا شك أنكم تعرفون كم يكلف كل يوم تصوير ضائع من ميزانية فيلم تصل تكلفته إلى ملايين الدولارات.

العدد 599 الخميس 21 اغسطس 2008

دموع الجنرال

لعل أحسن من تفوق في إعطاء صورة واضحة عن ألعاب القوى المغربية في بكين هو العداء المغربي حشلاف الذي سقط في الدورات الأولى حول مضمار السباق، وتوقف لكي يعدل من خيوط حذائه الرياضي، فكان آخر متسابق يصل إلى خط النهاية. وهو بذلك يبقى وفيا للرتبة الأخيرة التي سبق له أن حصل عليها في دورة باريس لألعاب القوى سنة 2003.

لحسن الحظ أن العداءة حسناء بنحسي، التي سبق لها أن صرحت أنها تدربت رفقة زوجها بإمكانياتها الذاتية، فعلت كل ما بوسعها لكي تحرز ميدالية برونزية، رأينا بفضلها علم المغرب يرفرف أخيرا في «عش الطيور».

ولعل مدربي الفرق المشاركة في منافسات الأولمبياد، ورئيس جامعة ألعاب القوى ووزيرة الشباب والرياضة مدعوون جميعا إلى تأمل موقف مدرب البطل الأولمبي الصيني «ليو كسيانغ» وبطل العالم في سباق 110 أمتار، الذي قدم اعتذاره للشعب الصيني يوم الاثنين الماضي بسبب تخلي «ليو كسيانغ» عن الدفاع عن لقبه بسبب ألم شديد في قدمه.

وعندما انتهى المدرب من تقديم اعتذاره، غرق في نوبة عميقة من البكاء. هذا مدرب صيني يعتذر ويختنق في دموعه بسب عدم قدرة بطله على الدفاع عن لقبه العالمي في أولمبياد تحتل فيه الصين المرتبة الأولى من حيث عدد الميداليات الذهبية، الفضية والنحاسية المحصل عليها.

من قرأ الأدب الصيني وشاهد السينما الصينية، سيفهم من دون شك لماذا اعتذر المدرب وانخرط في البكاء بسبب تضييع ميدالية إضافية على الصين في الأولمبياد. فالصينيون ينتمون إلى ثقافة آسيوية تعتبر الفشل أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان. ولذلك ترى الصينيين مهووسين بالعمل والإتقان، منتبهين إلى تلك التفاصيل الدقيقة التي نعتبرها نحن تافهة، في الوقت الذي بدونها يفقد العمل أحيانا قيمته وجماليته.

المغرب ليس دولة وليدة الأمس، بل إننا نحتفل اليوم بالذكرى 1200 لتأسيس المملكة. ولذلك فالمشاركة المخجلة للوفد المغربي في بكين والتي قدمت المغرب كدولة نكرة لم يسمع أحد صدى نشيدها الوطني، ذلك النشيد الذي طالما تردد في الألعاب الأولمبية السابقة، تستدعي أن يقدم جميع المسؤولين والمدربين الذين رافقوا الوفد اعتذارهم إلى الشعب المغربي على هذه الهدية السخيفة التي قدموا له بمناسبة الذكرى 1200 لتأسيس مملكته.

عليهم أن يكفوا عن إلصاق هزائمهم بالحكام، فليس من الطبيعي أن يكون كل حكام العالم لديهم مشاكل مع «الأبطال» المغاربة وحدهم من دون خلق الله أجمعين. المشكلة فينا وليست في الآخرين. علينا أن نفهم هذا جيدا.

إن مشكلتنا الأساسية هي أننا نفتقر إلى الرؤية المستقبلية في كل القطاعات. وما حدث في بكين ليس سوى صورة مصغرة للطريقة العبثية والمزاجية التي تسير بها مجموعة من القطاعات. نريد أن نستعد في ظرف ثلاثة أشهر لكي نذهب إلى الأولمبياد ونأتي بالذهب. نريد أن نضع خطة لإصلاح التعليم في ستة أشهر ثم نطبقها وننتظر نتائجها في العام الموالي، وقد نغيرها في الطريق بأخرى حتى دون أن ننتظر نهاية العام. نريد أن نجلب الاستثمار الأجنبي وشركات الخدمات، وعندما يأتي المستثمرون نعطيهم الأرض بالمجان، ثم نكتشف أننا لا نتوفر على المهندسين الضروريين لتغطية حاجيات هؤلاء المستثمرين. فنتذكر أن علينا أن نكونهم، ونعد بتخريج عشرة آلاف مهندس في القريب العاجل. نريد أن تكون لنا مكتبة وطنية بمواصفات دولية، كتلك التي تنتظر التدشين في الرباط، وعندما ننتهي من بناء الأروقة والمدرجات والقاعات والرفوف، نكتشف أن وثائق المملكة النادرة أغلبها تم نهبه. وكل ما تبقى من الخزانة الوطنية السابقة لا يكفي لملء رف واحد من رفوف المكتبة الجديدة. نريد أن يكون لنا متحف وطني يجمع تاريخنا وتاريخ أجدادنا، وبينما ينتظر الجميع نهاية هذا الورش، يستغرب البعض بماذا ستملأ وزارة الثقافة أروقة المتحف مادامت لا تتوفر على مجموعة فنية واحدة.

نريد أن نخلق مناطق صناعية لتشجيع المستثمرين الأجانب، ثم نعود فنكتشف أن المغرب يستورد تسعين بالمائة من حاجياته للكهرباء من الخارج، وأن المغرب ضيع وقتا ثمينا عندما لم يفكر قبل عشرين سنة في الطاقة البديلة، ثم يشرع المكتب الوطني للكهرباء في توزيع برنامج ومواقيت قطع الكهرباء عن أحياء المدن.

وحتى عندما تضعنا تقارير المنظمات الدولية في مؤخرة الترتيب، يخرج المندوب السامي للتخطيط لكي يكذب كل ذلك، ويطلب من منظمة «البنود» أن تغير معلوماتها بشأن المغرب، فالمغرب بلد متقدم. والرتبة المتأخرة التي تضعنا فيها هذه المنظمات راجعة إلى كون المغرب يعطي معلومات حقيقية حول نموه واقتصاده، وليس مثل البلدان الأخرى التي تزور هذه المعلومات. وعلى هذا الأساس فترتيبنا العالمي هو الرتبة 15 وليس 127 كما تتهمنا هذه المنظمات. وهكذا إذا تبعنا الحليمي في تبريراته فإننا سنكتشف أن المغرب يوجد في مرتبة أحسن من اليابان وألمانيا. وهذا ما يسمونه في العلوم السياسية بنظرية المؤامرة. فالمغرب متقدم ومزدهر، مشكلته الوحيدة هي أنه محسود من طرف جيرانه الذين يتآمرون عليه طيلة الوقت.

مشكلتنا الحقيقية أننا دائما نضع العربة أمام الحصان، ثم نستغرب كيف أن الأمور لا تسير، وفوق هذا وذاك نجلد الحصان ونتهمه بعرقلة السير. إننا نتصرف بعقلية ذلك المقاول الغبي الذي عندما تتوقف إحدى حافلاته يغير الركاب، ولا يفكر أبدا في تغيير قطع غيار حافلته المعطوبة.

لذلك فما يلزمنا اليوم، وبشكل مستعجل، هو الإيمان الراسخ بأن خلاصنا كشعب وكدولة وكنظام يمر حتما عبر التخطيط بعيد المدى. أي ببساطة شديدة أن نتخلى عن رؤية ما تحت أقدامنا، وأن نمد البصر نحو المستقبل.

علينا أن نفهم أن إصلاح التعليم هو الحل، وأن نتائج هذا الإصلاح لن تظهر السنة المقبلة أو حتى خلال الخمس سنوات المقبلة. بل علينا أن ننخرط في هذا الإصلاح وندفع ثمنه مهما كان باهظا ثم ننتظر عشرين سنة المقبلة لكي نرى نتائجه. بمعنى أنه علينا أن نضحي بكل هذه السنوات من أجل الحصول على جيل جديد في المستقبل لديه تكوين علمي يؤهله للبقاء.

إن الثروة الحقيقية للمغرب ليست هي الفوسفاط أو السمك أو السياحة أو حتى تحويلات المهاجرين التي وصلت هذه السنة إلى 279 مليار دولار. فهذه ثروات من الممكن أن تنضب غدا أو بعد غد. الفوسفاط يمكن أن ينهار أمام المنافسة المصرية القادمة في الطريق، والتي تنتج الفوسفاط بتكلفة أقل من المغرب وبالتالي ستبيعه بسعر أقل من السعر الذي يقترحه المكتب الشريف للفوسفاط. السياحة يمكن أن تغير وجهتها لأكثر من سبب، وما نزول مؤشرات السياحة في المغرب في الفترة الأخيرة إلا مثال واضح على هشاشة هذه الصناعة التي تعتبر المراهنة عليها بشكل كبير في اقتصاديات الدول من باب المجازفة.

تحويلات المهاجرين التي ظل يعتبرها المغرب بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا، يمكن أيضا أن تعرف مسارا آخر. خصوصا مع الجيل الثالث من أبناء المهاجرين الذين يفضلون أكثر استثمار مدخراتهم في بلدان إقامتهم. على ماذا يجب أن يعول المغرب خلال العشرين سنة المقبلة إذن. وما هي ثروته الحقيقية التي يجب أن يحرص عليها من التبذير والنزيف. ثروة المغرب هم أبناؤه. أدمغته التي تهاجر كل يوم نحو بلدان الآخرين. الأدمغة والأطر المغربية تحتل الرتبة الأولى ضمن لوائح المهاجرين في كندا مثلا.

نسبة كبيرة من خريجي المدرسة الحسنية للمهندسين تختار كل سنة أن تغادر نحو فرنسا وأمريكا وكندا.

أطباؤنا وأساتذتنا الباحثون في الفيزياء النووية والبيولوجيا وعلوم الأرض والتخصصات العلمية الدقيقة يجمعون ملفاتهم وشواهدهم ويسجلون أنفسهم في مختبرات البحث ومستشفيات وجامعات العالم المتقدم.

هؤلاء هم المادة الرمادية لهذا الدماغ المغربي التي تضيع في الطريق. وهذا أخطر ما يهدد مستقبل المغرب خلال العشرين سنة المقبلة. لأنه إذا استمر النزيف بهذا الشكل سيجد المغرب نفسه مجبرا على استيراد الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين لسد حاجياته العلمية. وسنكتشف أننا عدنا بالمغرب إلى ما كان عليه بعد الاستقلال مباشرة، حينما فتح المغرب ذراعيه للأساتذة والأطباء والأطر من أوربا الشرقية وفرنسا لكي يكونوا أبناء المغاربة الخارجين توا من الحماية.

إن مستقبل المغرب يمر حتما عبر التربية والتعليم والبحث العلمي. لدينا الأدمغة اللازمة، ولدينا الرغبة في البحث والتكوين، ما يلزمنا هو الإرادة السياسية الواضحة لتشجيع قيم البحث والعلم والاجتهاد عوض قيم الغش والكسل والتجهيل التي تمت رعايتها بحرص شديد طيلة ثلاثين سنة الماضية.

لذلك يجب علينا جميعا أن نستوعب درس بكين جيدا. وأن نكف عن البحث عن مشاجب لتعليق الأخطاء. وأول شيء يجب أن يقوم به الرياضيون المغاربة هو الذهاب منذ الغد إلى حلبات التدريب للاستعداد لأولمبياد لندن. وطبعا نفترض أن الجنرال حسني بنسليمان وزبانيته سيقدمون استقالتهم من تسيير الرياضة الوطنية بعد أن أوصلوها إلى حافة الإفلاس. ونحن طبعا لا نطلب منهم أن يذرفوا الدموع أمامنا معتذرين مثلما صنع المدرب الصيني، فالمغاربة من شدة ما لدغوا من الجحر نفسه أكثر من مرة عادوا لا يثقون مطلقا في دموع التماسيح.

دبلوماسية الخرفان

للمغاربة أشكال طريفة ومدهشة، وأحيانا مخيفة في التعبير عن احتجاجهم. بعد استنفاد جميع أشكال الاحتجاج من طرف المعطلين في شوارع الرباط، من شرب للبنزين ومسحوق سم الفئران واقتحام الوزارات وإضرام النار في الأجساد، اهتدى معطلو التجمع المغربي للأطر العليا المعطلة إلى فكرة جهنمية لإفساد المهرجان الموسيقي الذي تنظمه اتصالات المغرب وسط العاصمة. فظلوا يحضرون معهم طيلة ثلاث أمسيات الأدوات المنزلية من«المقالي» و«الطناجر» ويشرعون في العزف عليها موسيقاهم الاحتجاجية الخاصة.

وبالإضافة إلى العزف على «الطناجر» نظم المعطلون على شرف زوار العاصمة وسياحها معرضا متجولا لآخر اللوحات التشكيلية التي رسمتها عصي قوات الأمن والقوات المساعدة. وبعضهم يحمل صراحة على جسده لوحات تشكيلية غاية في السريالية، بحيث أن سالفادور دالي نفسه لو شاهدها لظل واقفا أمامها فاغرا فاه من شدة تجريدها، نسبة إلى التجريد من الإنسانية وليس إلى الفن التجريدي طبعا.

فما دام متحف الفنون الجميلة الذي دشنه الأشعري وزير الثقافة السابق أكثر من ثلاث مرات، دون أن يظهر هناك من أمل في عهد وزيرة الثقافة الجديدة يبشر بقرب فتح أبوابه في السنوات المقبلة، فإن المعطلين سيتكفلون بتعويض زوار العاصمة وسياحها عن هذا النقص الفني الكبير، وذلك بتحويل أجسادهم إلى لوحات معروضة في الهواء الطلق. وحسب ألوان وآثار الضرب التي تتركها قوات الأمن، بفنية عالية، على أجساد هؤلاء المعطلين، فيمكننا الجزم بكل تأكيد، وهذا ما لن يخالفنا فيه نقاد الفنون التشكيلية، بأن المدرسة التشكيلية التي تنحدر منها قوات العنيكري والشرقي أضريس هي المدرسة التكعيبية. ومن كثرة ما كعبوا المعطلين والمحتجين أمام البرلمان، فإن بيكاسو نفسه لو كان حيا وشاهد كيف يرسم هؤلاء التكعيبيون الجدد لوحاتهم على أجساد المواطنين، لنسي لوحته الشهيرة حول الحرب الأهلية الإسبانية، وبدأ لوحة جديدة مستوحاة من حرب العصابات اليومية بين قوات الأمن والمعطلين في شوارع العاصمة.

وإذا كان المعطلون يحتجون على حكومة عباس الفاسي التي تنصلت من كل وعودها الانتخابية التي شيدتها على أكذوبة التشغيل، بالبنزين والطناجير واقتحام مقرات الوزارات وقطع الشوارع في وجه حركة المرور، فإن مهاجرا مغربيا يئس من استرجاع حقه عبر القضاء فلم يجد من وسيلة لإثارة الانتباه إلى مأساته سوى اقتناء كبش صردي بقرنين ملتويين وذبحه أمام مسجد السنة، على بعد خطوات من القصر الملكي بالرباط.

وقد ضمن المهاجر المغربي ظهور صورته إلى جانب أضحيته مرتديا لافتة من القماش تلخص نقط ملفه المطلبي بالإضافة إلى شعار يقول «شكايتي إلى الله وإليك يا أمير المؤمنين»، في وسائل الإعلام المقربة من القصر، والتي سارعت إلى نشر صورته واقفا على رأس خروفه المذبوح فوق عشب حديقة المسجد، وبالتالي ضمن وصول رسالته إلى من يعنيهم الأمر. ويبدو أن الصحافة الرسمية وجدت هذه الطريقة الجديدة في الاحتجاج على العدالة المغربية من الجنة والناس. ما دام الخطاب السائد في هذه الصحافة منذ الخطاب الملكي الأخير هو جلد القضاء يوميا تقريبا، واستضافة سياسيين ومحللين «محنكين» لكي يشرحوا جسد هذا القضاء المتعفن، ويتدربوا في خياطته كل حسب مهارته ومضاء إبره. لذلك فإن قصة هذا المهاجر المغربي الذي استنفد كل درجات التقاضي دون أن يتمكن من استرجاع ما يعتبره حقه، تفيد كمثال حي لشرح مضامين الخطاب الملكي الأخير حول ضرورة إصلاح القضاء.

فأن يلجأ أحد المواطنين إلى تحويل ساحة مسجد السنة القريبة من المشور الملكي إلى مذبح يحز فوقه عنق الكبش من أجل طلب تدخل ملكي لإنصافه، تحول جديد ونوعي في طريقة احتجاج المغاربة وتعبيرهم عن عدم الرضا عن عدالتهم. ولو أن عادة تقديم الأضحية للأعتاب الشريفة لطلب التدخل أو لاستدرار السماح، لم تبدأ مع هذا المهاجر المغربي، وإنما كانت عادة مخزنية قديمة درج على العمل بها في القصور والمجالس السلطانية.

ولعل الإدريسي القيطوني مدير جريدة «لوبنيون» الناطقة بلسان حزب الاستقلال سيتذكر، عندما سيرى صورة المهاجر المغربي واقفا أمام خروفه المذبوح قريبا من باب المشور، موقفا مشابها عاشه قبل عشرين سنة تقريبا.

فلم يكن القيطوني يعرف أنه سيجلب على نفسه غضب الحسن الثاني عندما ترجم رئيس تحريره خالد الجامعي نص بيان أصدرته إحدى الجمعيات الحقوقية التابعة لحزب الاستقلال ونشره على صفحات جريدة «لوبنيون». وكان من نتائج هذا المقال أن رفعت الدولة المغربية دعوى قضائية ضد مدير «لوبنيون» وحكمت عليه المحكمة بعامين سجنا.

ولم تجد كل تدخلات حزب الاستقلال نفعا في تليين حكم العدالة. وكان هناك من أفتى عليهم فتوى نزلت عليهم كالمن والسلوى، وهي أن الشرفاء في ما بينهم لا يحتاجون إلى عدالة الناس العاديين لتسوية مشاكلهم وخلافاتهم. وما دام القيطوني ينتمي إلى الزاوية الإدريسية، فقد تشكل وفد من شرفاء هذه الزاوية نزلوا من فاس وذهبوا إلى المشور الملكي بالرباط واعتصموا فيه لكي يطلبوا الصفح لأحد أبناء زاويتهم على الخطأ الذي ارتكبه في حق الدولة العلوية.

وطبعا كان لا بد من خروف بين أعضاء الوفد، وعندما وصلوا إلى باب القصر ذبحوا الأضحية هناك تعبيرا عن استدرارهم لعطف الحسن الثاني وطلبهم لرضاه ومسامحته.

وهكذا تم طي الملف ولم يذهب الإدريسي القيطوني إلى السجن ولا هم يحزنون. لحسن الحظ أن «دبلوماسية الخرفان» هذه غابت بغياب الحسن الثاني. وها نحن اليوم نكتشف أنها تعود من جديد، وعلى يد مواطن لا ينتمي إلى أية زاوية من زوايا الشرفاء، دون أن يعني ذلك أنه ليس مواطنا شريفا بالضرورة.

ولعل واحدة من أغرب طرق الاحتجاج التي برع فيها المغاربة مؤخرا، هو قيام فرد من أفراد القوات المساعدة بالسير حافي القدمين نحو مركز القيادة بالرباط ليحتج على حرمانه من حقه في الترقية الأخيرة.

ولولا أن هذا المخزني كان يلبس الكسوة العسكرية وهو يسير حافيا لأمكن خلطه بسهولة بأحد مناضلي الحزب العمالي الذي نزل مناضلوه ذات يوم إلى شارع محمد الخامس بقيادة رئيسه بنعتيق حاملين أحذيتهم فوق رؤوسهم احتجاجا على قانون العتبة الذي صوتت عليه الأحزاب الكبيرة لإقصاء الأحزاب الصغيرة من المشاركة في الانتخابات.

ولعل المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم التي ترتبط فيها الترقية بالاحتجاج. فالترقية في كل بلدان العالم مناسبة للفرح والابتهاج، إلا عندنا نحن فهي مرتبطة بالمندبة والنواح.

ولازال الجميع يتذكر ترقية البوليس التي كان من نتائجها المباشرة إضراب مجموعة من رجال الأمن عن العمل في وجدة في سابقة تاريخية من نوعها. خصوصا عندما اكتشفوا أن بعض الذين شملتهم الترقية انتقلوا إلى رحمة الله الواسعة، بينما الأحياء ظلوا في رتبهم.
وعندما تم الإعلان عن ترقية رجال القوات المساعدة كشف المخزني حافي القدمين الشجرة التي تخفي غابة الاحتجاجات، فتشكلت لجنة لإعادة دراسة لوائح الترقيات.

أما العسكر، فمنهم من قضى خمس عشرة سنة بدون ترقية بسبب تقارير المكتب الخامس الذي يضع لوائح بأسماء الضباط الممنوعين من الترقية والذين ينتهون في الحاميات العسكرية، والتي تم استثناؤها جميعها هذه السنة من الترقية. وهناك من الضباط من درس عسكريين ودربهم ووصلوا عليه في الرتبة وفاتوه. فأصبح مطالبا بعد أن كانوا يعطونه التحية العسكرية أن يعطيها لهم هو اليوم. فعن أي احترام للتراتبية العسكرية يمكن أن نتحدث هنا.

وطبعا فتقارير المكتب الخامس حول الضباط لا تناقش، كل من «وثقه» المكتب الخامس بتقرير فيمكن أن يقول للترقية وداعا.
وأحيانا تكون التقارير التي تقود بعض العسكر إلى المحاكمات العسكرية تتعلق بنسيان إعطاء التحية لجنرال، أو عدم الاعتدال في الوقفة عند مرور كولونيل. لكن عندما يتعلق الأمر بتزوير في محضر يقوم به التريكي صهر الجنرال حسني بنسليمان فإن المحكمة العسكرية تسمح في حقها وتغمض عينيها.

فالقانون في هذه البلاد معمول لصغار المواطنين ممن ليس لهم شرف الانتساب إلى العائلات الشريفة.

أما المواطنون «الشرفاء» فلهم قانونهم الخاص الذي يحميهم ويحمي أبناءهم من بعدهم.

نتمنى من المحللين «المحنكين» الذين يتحدثون هذه الأيام في صحافة المخزن عن الفساد القضائي على هامش الخطاب الملكي الأخير، أن يعللوا حديثهم عن الفساد القضائي في المملكة بهذا المثال الفاضح للإفلات من العقاب.

لأن صلب النقاش حول الفساد القضائي يتلخص في سؤال واحد وبسيط، وهو هل نحن جميعا في هذه البلاد سواسية أمام القضاء أم لا. الباقي كله مجرد تفاصيل.

العدد 597 الثلاثاء 19 اغسطس 2008

القفز الثلاثي على التاريخ

نهاية الأسبوع الماضي قررت أن أبقى مساء في البيت وأتابع أخبار العالم عبر التلفزيون. واكتشفت أن تعليقات الصحافيين يمكن أن تكون طريفة أحيانا. مثلا عندما يتحدث الصحافي عن عملية عسكرية في العراق اسمها «بشائر الخيرات». هل يمكن أن تحمل عملية عسكرية بشائر الخير. اللهم إذا كان اقتحام البيوت وتصفيد أهلها وطرحهم أرضا، أو ربما تفجير المنزل بمن فيه، يعتبر دليلا من «دلائل الخيرات».
مع الاعتذار لسيدي محمد بن سليمان الجزولي.

لحسن الحظ أن أخبار الرياضة يتركونها إلى آخر النشرة، هكذا يجعلونك تنسى كوارث العالم قليلا وهم يقدمون لك إنجازات الرياضيين وأرقامهم القياسية. وقد أثار انتباهي كون الأشقاء العرب في القنوات الفضائية عندما يتحدثون عن تأهل رياضي مغربي إلى الربع أو نصف النهائي يذكرون اسم المشارك وينسبونه للعرب قائلين «تأهل المشارك العربي كذا في رياضة كذا». وعندما يخسر صاحبنا ينسبونه للمغرب، ويفتتحون تعليقهم هكذا «خسر المشارك المغربي كذا في رياضة كذا». هكذا عندما يفوز مغربي يصبح بطلا عربيا، أما عندما يخسر يرجعونه إلى جنسيته الأصلية.

لكن أهم ما أثارني في آخر مباراة للملاكم المغربي رضوان بورشوق ضد نظيره البرازيلي هو إقدام صاحبنا في نهاية المباراة التي خرج منها منهزما على معانقة خصمه، بل وحمله بين ذراعيه عاليا مثل طفل صغير. عندما رأيت هذه اللقطة فهمت أن الملاكمة المغربية شعرت بالوحدة والغربة في بكين، فبسبب خروج كل الملاكمين مهزومين اشتاق أغلبهم إلى عيش لحظة فرح صغيرة، فلم يجد بورشوق بدا من طلب»اللجوء العاطفي» عند خصمه، فاحتضنه واقتسم معه فرحة فوزه عليه.

وربما كانت هذه الحركة التي قام بها الملاكم المغربي وهو يعانق خصمه الذي بقي مشدوها أمام هذه «الروح الرياضية» العالية للمغربي، فيها رسالة إلى جامعة الملاكمة واللجنة الأولمبية التي جاءت باللاعبين المغاربة وهم في كامل كسلهم العضلي. فربما أراد أن يشمت فيهم جميعا وهو يرفع خصمه البرازيلي عاليا ويقتسم معه فرحته. وكأنه يقول لهم «نعم لقد هزمني وهو يستحق نصره لأنه استعد أحسن مني للألعاب الأولمبية، وليست لديه جامعة للملاكمة كتلك التي لدينا ولم يأت إلى بكين في وفد نصفه لا علاقة لهم بالرياضة كالوفد الذي جاء معنا».

لسوء حظ المغرب أن اللجنة الدولية للألعاب الأولمبية لم تضف بعد إلى منافساتها رياضة «القفز على الحقائق». وإلا لكانت نوال المتوكل قد أنقذت المغرب بحصولها على ميدالية الشرف في هذا النوع الرياضي. فرغم كل الإخفاقات التي مني بها الوفد المغربي ورغم خروجه في بعض المباريات بصفر نقطة، كما هو حال ذلك الملاكم الذي منذ أن صعد إلى الحلبة وهو يغطي وجهه بذراعيه ويتلقى الضربات مثل كيس رملي، فإن نوال المتوكل وصفت الحصيلة الرياضية للوفد المغربي في منافسات بكين بالمشرفة. يا إما أن نوال المتوكل لا تفهم المعنى اللغوي للتشريف في القاموس العربي، وهذا مستبعد رغم أنها استغلت حضورها في بكين للدفاع عن اللغة الفرنسية كلغة للأولمبياد، ويا إما أنها تريد أن تحجب الشمس بالغربال، وهذا مخجل.

ويبدو أن الحفل الراقص الذي نظمته نوال في سفارة المغرب ببكين على شرف الوفد الرياضي والرسمي المشارك في الأولمبياد، قد أنساها مرارة الفشل الذي حصده المغرب في كل المنافسات الرياضية. خصوصا وأن نوال المتوكل والجنرال حسني بنسليمان ظهرا كمن يريد «تسبيق العرس بليلة»، فنظموا حفلا رسميا لتكريم «أبطال» لم يصمد أغلبهم فوق حلبات المواجهة أكثر من مقابلة. وقد كانت فكرة السفير مسلية عندما أحضر راقصات صينيات وألبسهن تاملحافت وصباط الطالون ورقصن أحواش على شرف المدعوين. أحد المغاربة علق وهو يرى كيف تجيد تلك الصينيات رقصة أحواش، بأننا لن نستغرب إذا سمعنا إحدى هؤلاء الراقصات تغني إحدى أغاني الحاجة الحمداوية.

لا أعرف لماذا أعادتني شكوى أحد لاعبي الجيدو المغاربة من كونه لا يتوفر حتى على «السبارادرا» التي يضمد بها أصابعه، بصورة سبق وأن رأيناها في ألعاب كوريا الأولمبية السابقة، عندما رأى الجميع كيف أن أحد رافعي الأثقال المغاربة كان ينتظر عندما يأتي دوره للتباري أن يسلمه أحد زملائه المشاركين الأجانب «السمطة» الجلدية التي يحزم بها وسطه، لأن جامعته أرسلته بدون حزام ولا مستلزمات رياضية.
كما ذكرتني بلقطة أخرى لأحد لاعبي الجيدو المغاربة في منافسة دولية رموا له بذلة الكيمينو إلى الحلبة لكي يلبسها بعد أن قرر الحكم أن بذلته التي جاء ليشارك بها لا تستجيب إلى المعايير القانونية نظرا لقصر أكمامها. ولسوء حظ لاعب الجيدو المغربي فإن الكسوة التي رموا له كانت أقصر، فوقف أمام الحكم وأمره بمد ذراعيه لكي يرى أين تصل الأكمام، فانحسرت الأكمام إلى الوراء وأصبحت «كسوة نص كم»، فأقصاه الحكم ومنح الفوز لخصمه الذي لم يكن محتاجا لمنازلته.

وهذا يذكرنا بأولئك الذين كانوا يأتون إلى الحمام بدون معدات ويريدون الاستحمام «بيليكي» على ظهور عباد الله. فيطلبون من المستخدم أن يمنحهم غرسون نسيه أحدهم ، ويدخلون بأيديهم فارغة. فهذا يأخذون منه الشامبوان، وذاك يأخذون منه الصابون، وآخر يطلبون منه أن يحك ظهورهم. وفي الأخير يلتقطون ماكنة حلاقة تخلى عنها أحدهم ويكرطون وجوههم وأماكن أخرى ويخرجون لينشفوا ويلبسوا نفس الثياب التي كانت على ظهورهم.

عندما تعبت من تتبع أخبار «أبطالنا» في الأولمبياد عبر قنوات أشقائنا العرب الفضائية، يممت وجهي شطر العقلانية الأوربية وقفت عند القناة الفرنسية الخامسة. وكم ضحكت لوحدي في البيت مثل مجنون وأنا أرى فيلما حول قصة توأمين في العهد الفرعوني. ويحكي الفيلم عن قصة توأمين كتبا رسالة إلى الفرعون يشتكيان إليه ضياع حقهما في الإرث بعد تخلي والدتهما عنهما واغتيال والدهما في مؤامرة دبرتها أمهما مع عشيقها الشاب.

سبب الضحك ليس قصة الفيلم الفرنسي، فالقصة مشوقة. وإنما كون أحداث الفيلم تدور في العهد الفرعوني القديم، على أرض النيل الأزرق. غير أنه من خلال الصور نكتشف أنه مصور في وارزازات. والفراعنة والعبيد والتجار والسبايا كلهم مغاربة. هكذا نكتشف وجه يونس ميغري في دور كاتب عمومي في العصر الفرعوني، وخلود البطيوي في دور الزوجة الخائنة التي تآمرت مع عشيقها، الذي ليس شخصا آخر غير الممثل بهلول، لقتل زوجها، الذي ليس شخصا آخر غير الممثل خيي.

ستقولون لي أين المشكلة، مادام المخرجون السينمائيون غير مطالبين بتصوير أفلامهم في نفس الأماكن التي تدور فيها قصص هذه الأفلام، وإلا لماذا تصلح الأستوديوهات أصلا.

المشكلة هي أن خيي عندما قتله بهلول بتواطؤ مع عشيقته خلود البطيوي، ثم حنطوه وكفنوه، سمعنا صوت الطلبة وهم يقرؤون سورة يسن عليه. وكان صوت الطلبة يطغى على صوت المعلق الفرنسي الذي كان يشرح كيف أن جثة الموتى في العصر الفرعوني كانت تترك في الصحراء إذا لم يكن مع عائلته مصاريف لتغطية تكاليف مراسيم الجنازة الباهظة.

ولعل المثير في هذه الحكاية هو أننا لأول مرة في تاريخ العلوم والآثار الفرعونية نكتشف أن القرآن نزل قبل الإنجيل، وأن الفراعنة كانوا مثل المسلمين تماما يحضرون الطلبة لكي يقرؤوا ما تيسر من الذكر الحكيم على جنازة موتاهم. بقي فقط أن نرى المعزين الفراعنة وهم جالسين حول «قصاعي الكسكسو بسبع خضاري».

والظاهر أن الفرنسي مخرج الفيلم لا يقشع في الدارجة واللغة العربية شيئا، ولذلك طلب من الممثلين والكومبارس المغاربة أن يثرثروا فيما بينهم بالدارجة المغربية، لأن حواراتهم على كل حال ليست سوى «ثرثرة فوق النيل» لتأثيث الصور. مع الاعتذار لنجيب محفوظ.
وهكذا سمعنا لأول مرة مصريين يعيشون في العصر الفرعوني يعبدون الله من دون الفرعون ويسبحون باسمه قرونا طويلة قبل ظهور المسيحية والإسلام ويقولون «لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم». وليس هذا فحسب، فمن خلال لقطة في أحد الأسواق الفرعونية نستطيع أن نلمح أحد الكناويين وهو جالس يعزف على هجهوجه ويحرك رأسه كما يصنع كناوة في مهرجان الصويرة.

لا شك أن علماء الآثار المصرية والباحثين المتخصصين في علم الأهرامات، سيجدون صعوبة كبيرة في فهم حضور الطلبة وسورة يسن والهجهوج والكناوي، في عصر الفراعنة. لكن بما أن الفيلم تم تصويره في المغرب، فإن الدهشة تزول، وعلى المخرج الفرنسي أن يحمد الله لأن مخرجيه المساعدين والممثلين والكومبارس المغاربة لم يدسوا له بين مشاهد الفيلم صورة أحد أعمدة الكهرباء التي يعلقون فيها صور الملك محمد السادس.

فنحن أبطال لا يشق لنا غبار في خلط الأوراق والحقب والتواريخ والأزمنة. ولو أن اللجنة الدولية للأولمبياد فكرت يوما في تخصيص مسابقة للقفز الثلاثي على الحقب التاريخية، دون قراءتها طبعا، لكنا أول من يحرز ميدالية ذهبية في هذا الصنف الرياضي.

للأسف لم يولد بعد من يفهمنا جيدا في هذا العالم.

العدد 596 الاثنين 18 اغسطس 2008

الدبلوماسية «النشيطة»

حسب قصاصة لوكالة الأنباء الفرنسية نشرتها الصحافة في عدد الأمس، نقرأ أن المحامي السويسري اتهم سلطات طرابلس باحتجاز والدة وشقيق موكله «رهينتين» في ليبيا». وأضافت الجريدة في مقالها أن السلطات الليبية عمدت إلى اعتقال والدة وشقيق الخادم المغربي من أجل الضغط عليه لتقديم تنازل عن الدعوى، في حين لم يصدر عن الدبلوماسية المغربية أي موقف بهذا الخصوص بعدما اعتبر المجلس الأعلى للجالية أن الملف ليس من اختصاصه.

وكتبت جريدة الوزير الأول، الذي توجد وزارة الخارجية ضمن وزارات حكومته، أن طرابلس تواصل اعتقال الأم المغربية لممارسة الضغط، وأن «الأشقاء» الليبيين يشترطون سحب شكاية الخادم المغربي والخادمة التونسية ضد ابن العقيد القذافي لإطلاق سراح الأم وابنها.
لكن الصحافة الرسمية الصادرة يوم الجمعة، وصحافة «المخابرات المغربية»، لديها رأي آخر في الموضوع. فوالدة وأخ السائق المغربي الذي اتهم نجل معمر القذافي بإساءة معاملته في سويسرا، لم يكونا معتقلين في جماهيرية العقيد الديمقراطية العظمى، ولم يتعرضا لأية إساءة أو تعسف من قبل السلطات الليبية. والدليل على ذلك هو أنهما وصلا إلى المغرب ليلة الأربعاء آمنين مطمئنين.

وأضافت الصحافة الرسمية، متهمة في الطريق كل الصحافيين الذين عابوا على الدبلوماسية المغربية صمتها بخصوص هذه القضية بأنهم ينشرون المغالطات، بأن «هناك تقليدا شكل دوما إحدى دعامات الدبلوماسية المغربية وهو السرية في التعامل والتي هي السمة المميزة للعمل وكفاءته».

لدي سؤال بسيط جدا أرجو أن يتسع له صدر هؤلاء المهللين بهذا النصر الدبلوماسي «السري» الباهر. إذا لم تكن والدة وأخ الخادم السابق لحنيبعل القذافي قد تم اعتقالهما في ليبيا، فلماذا تحركت «الآلة الدبلوماسية المغربية الفعالة» في طرابلس، وأية قضية حساسة هذه التي اشتغلت الدبلوماسية المغربية عليها بسرية إلى أن توصلت إلى حل مشرف حولها من «الأشقاء» الليبيين. لا دخان بدون نار. إذا كانت الدبلوماسية المغربية قد تحركت في سرية كاملة، بدون بيانات أو بلاغات كما يحدث في كل الدول الديمقراطية، وتدخلت لدى سلطات طرابلس خلال الأيام الأخيرة، فلأن مشكلا دبلوماسيا وقع بين البلدين، وإلا ما الداعي إلى التحرك بكل هذه «السرية» و«الفعالية» في هذه العطلة الحكومية. بل ما الداعي إلى رجوع الأم وابنها إلى المغرب في هذه الفترة بالضبط ماداما يعيشان بسلام في جنة العقيد الديمقراطية العظمى.

إننا نعرف خروب بلادنا جيدا، ونعرف أن المخابرات المغربية تستطيع أن تجعل والدة خادم ابن الرئيس تقول أمام العالم بأسره أنها لم تكن معتقلة هي وابنها في مكان سري عند العقيد، وأنها كانت معززة مكرمة في ضيافة قائد الثورة. وليس هذا فحسب، يمكنهم أن يجعلوها تعترف بأن ليبيا أجمل بلد في العالم وأن المهاجرين المغاربة يتمتعون بحقوق لا يحلم بها أشقاؤهم في سويسرا نفسها، وأن السلطات الليبية وحرصا على سلامتها نقلتها إلى فندق خمس نجوم محروس بفريق خاص من حرس الثورة عندما انتهى إلى علمهم أن ابنها وضع شكاية ضد ابن الرئيس في سويسرا.

هكذا ستظهر الصحافة التي تحدثت وكتبت حول اعتقال الأم وابنها في سجون العقيد في وضع مضحك، مادام أن المعنية بالأمر تقول الصحافة الرسمية وصحافة المخابرات المغربية على لسانها أنها لم تكن معتقلة ولا هم يحزنون.

واضح أن الدبلوماسية المغربية شعرت بالإحراج عندما أرسل المحامي السويسري مبعوثا خاصا إلى الملك يطلب منه التدخل لإطلاق سراح الأم المعتقلة رفقة ابنها في ليبيا. بعدما اعتبر المجلس الأعلى للجالية أن الملف ليس من اختصاصه، وكأن المجلس الأعلى للجالية متخصص في شؤون جالية سكان كوكب الزهرة.

وواضح أيضا أن هناك صفقة سرية تم عقدها بين الرباط وطرابلس لإقبار هذا الملف. وليس مستبعدا أن نسمع اليوم أو غدا أن الخادم المغربي الذي اتهم ابن العقيد بإساءة معاملته وضربه قد تنازل لهذا الأخير وسحب شكايته. فالمدعي العام السويسري في جنيف استبعد إمكانية طي الملف لأغراض سياسية، وأكد أن النيابة العامة لم تتعرض لأي ضغط من وزارة الخارجية الفدرالية لأن هذه الأخيرة تحترم استقلالية القضاء. استقلالية القضاء، هذه الجملة التي لا يفهمها المسؤولون لا في الرباط ولا في طرابلس.

ولذلك طالبت السلطات الليبية سويسرا بتقديم اعتذار لها على معاملتها «القانونية» لحنيبعل القذافي. فالأعراف الليبية المعمول بها في الجماهيرية الديمقراطية تعطي المشغل حق ضرب مشغليه متى أحب، كما تعطيه حق طردهم وقتما أحب. وأبناء العقيد مشهورون بتحديهم لقوانين الدول الديمقراطية، ويصرون على نقل فوضاهم وتخلفهم إلى شوارع العواصم المتقدمة. وقبل مدة ألقي القبض على أحد أبناء القذافي يسير بسرعة جنونية في الاتجاه المعكوس في جادة الإليزي. وتم إطلاق سراحه بكفالة وكاد يتسبب في أزمة دبلوماسية بين باريس وطرابلس.

تريد الدبلوماسية المغربية «النشيطة» أن تظهر اليوم حنكتها وفعاليتها لأنها استطاعت أن تتدخل بسرية تامة لإعادة أم وأخ الخادم السابق لابن الرئيس الليبي. وتريد أن تقدم هذا الإنجاز الدبلوماسي عبر صحافتها الرسمية كما لو كان مشابها للجهود الدبلوماسية التي بذلتها فرنسا والدول الغربية لإعادة الرهينة «بيطانكور» إلى عائلتها من بين مخالب خاطفيها في الأدغال الكولومبية.

وإذا كانت الدبلوماسية المغربية متعودة على الاشتغال بسرية وفعالية، وتقيم وزنا لرعايا المملكة في الخارج، كما تردد صحافتها مثل ببغاوات، فلماذا لم تتحرك لإنقاذ مئات المهاجرين المغاربة الذين يتكدسون في سجون العقيد مثل الحيوانات. أليس هؤلاء المهاجرون الذين قادهم حظهم العاثر إلى واحة الديمقراطية الليبية العظمى مغاربة يحملون جواز السفر المغربي ويستحقون أن تتفاوض الدبلوماسية المغربية، سرا وبفعالية، من أجل إعادتهم إلى أرض الوطن. أم أن هؤلاء ليسوا مورطين في قضية بطلها ابن الرئيس المدلل، ولذلك فقضيتهم لا تعني الدبلوماسية المغربية في شيء.

ماذا صنعت الدبلوماسية المغربية «النشيطة» للمختطفين مجهولي المصير إلى اليوم، بوعلام والمحافظي. هل أعادتهما إلى أرض الوطن، هل أقفلت ملفهما ونسيتهما بهذه السرعة مع أنهما موظفان كانا يشتغلان لحسابها في العراق.

ماذا فعلت الدبلوماسية المغربية «النشيطة» عندما طاردت قوات الأمن الإسبانية المهاجرين المغاربة في شوارع مورسيا ومقاهيها قبل شهر وطرحتهم أرضا وضربتهم أمام الملأ فقط لكي تتفقد هوياتهم. ماذا صنعت غير بيان تافه عبرت فيه عن قلقها من هذه التصرفات.

على وزارة الخارجية أن تفهم أنها ليست مجبرة على التصرف بسرية عندما يتعلق الأمر بقضية أصبحت قضية رأي عام. خصوصا وأن ميزانية وزارة الخارجية تخرج من جيوب دافعي الضرائب. ولذلك فعدم إصدار أي بيان أو بلاغ أو توضيح في هذه القضية يعبر عن ازدراء واضح للرأي العام الوطني. وزارة الخارجية ليست جهازا سريا يشتغل في الظلام حتى يخاف من إصدار البيانات. اللهم إذا كلفت الخارجية صحافة «المخابرات المغربية» بالنيابة عنها في شرح تقاليدها العريقة في العمل بسرية وفعالية للرأي العام.

دعونا نكون متفائلين أكثر من اللازم ولنتصور أن الدبلوماسية المغربية تحركت في السر لتسوية ملف عائلة المغربي الذي يتابع قضائيا ابن الرئيس الليبي في سويسرا. فماذا تراها ستفعل هذه الدبلوماسية من أجل مساندة هذا الخادم المغربي قضائيا ضد ابن الرئيس الليبي، هل ستعين له السفارة المغربية بسويسرا فريقا من المحامين للترافع لصالحه، أم هل ستضغط عليه من أجل سحب شكواه وطي الملف.

على العموم فالدرس الوحيد الذي يمكن أن نستخلصه من هذه الحكاية هو أن الفرق كبير بين الديمقراطية والتخلف. وعلى القضاء المغربي أن يتأمل جيدا حرص النيابة العامة السويسرية على استقلاليتها عن وزارة الخارجية، وحرصها على أن تأخذ هذه القضية مجراها الصحيح والعادل، حتى ولو كان المدعى عليه ابن رئيس دولة والمدعي مجرد خادم.

على العدالة المغربية أن تتأمل هذا الدرس جيدا وهي تغض الطرف عن متابعة الكولونيل التريكي الذي زور محضرا رسميا لكي يغطي على شخص داس مرتين حارسا بسيارته الجاكوار في فندق «أونفتريت بالاس» بالصخيرات، وكل ما استطاع أن يصنعه ضده صهره الجنرال حسني بنسليمان هو أنه أعفاه من مهمته وأرسله إلى بيته لكي يستريح.

المضحك في كل هذه الحكاية أن صحافتنا الرسمية وصحافة «المخابرات المغربية» أصبحوا يعطون الدروس في الديمقراطية والدبلوماسية لدولة مثل سويسرا. وكم أتمنى أن ترد سويسرا بنشر كشف بحسابات كل زعمائنا وجنرالاتنا ومسؤولينا الكبار وأرصدة زوجاتهم وأبنائهم في بنوكها السويسرية الأمينة. حتى نعرف كم هرب كل واحد منهم من ثروات هذا الوطن الذي يدعون خدمة مصالحه في السر والعلن.

العدد 595 الاحد 17 اغسطس 2008

المهم هو المشاركة

كل الذين تابعوا المباراة التي جمعت الملاكم المغربي محمد أمنيسي بنظيره الملاكم الصيني قبل أمس في أولمبياد بكين تمنوا أن يصفر الحكم لإنهاء المباراة قبل وقتها القانوني، فقد كان منظر الملاكم المغربي يقطع في القلب وهو يتلقى اللكمات من كل حدب وصوب من طرف الملاكم الصيني الذي انتصر عليه في النهاية بأربع عشرة نقطة مقابل صفر نقطة للمغربي.

هكذا ستدخل الملاكمة المغربية بهذه النتيجة كتاب غينيس للأرقام القياسية، بالمقلوب طبعا. فربما كان الملاكم المغربي أول ملاكم في العالم يعجز عن تسجيل نقطة واحدة ضد خصمه طيلة جولات المواجهة.

أعتقد أن الجنرال حسني بنسليمان ووزيرته في الشباب والرياضة نوال المتوكل يجب أن يعمما إعلانا في القرية الأولمبية يدعوان من خلاله الرياضيين المغاربة المشاركين في الأولمبياد بأن يودعوا طلبات عندما يعودون إلى المغرب عند حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من أجل تسلم تعويض مادي عن الضرر الذي أصابهم في بكين. فبعض الرياضيين المغاربة يعيشون سنوات رصاصهم الخاصة في الصين. وكل من شاهد لاعب الجيدو المغربي صفوان عطاف يصرح لميكروفون الرياضية مباشرة بعد خروجه منهزما والدم ينهمر من جرح غائر بجبهته، تعاطف معه وشعر بالحزن لأجله، خصوصا عندما قال وعيناه توشكان أن تفيضا من الدمع، أنه يعاني من تسع إصابات ومع ذلك شارك، وليس هناك ضمن البعثة الرياضية طبيب لكي يعالجه.

وليس لاعبو الجيدو المغاربة وحدهم من افتقدوا الطبيب إلى جانبهم، فحتى السباحة المغربية الواعدة سارة البكري أرسلوها إلى بكين بدون طبيب ولا مدلك ولا مدرب. وأنا شخصيا أعذر الملاكم المهدي واتين الذي أكل علقة ساخنة على يد ملاكم من منغوليا وفقد أعصابه بعدما خرج مهزوما بعشر نقط مقابل نقطة واحدة، ودفع مصور الرياضية الذي اعترض طريقه لكي يأخذ منه تصريحا. فماذا كان ينتظر الصحافي أن يقول له الملاكم النازل لتوه من الحلبة بعينيه المنفوختين، هل كان يريده أن يقول كما قال مدرب منتخب الجيدو بأن الحصيلة إيجابية، رغم سقوط أغلب لاعبيه منهزمين بالضربة القاضية.

فنحن المغاربة لا أحد يستطيع أن يتفوق علينا عندما يتعلق الأمر بتحويل الهزيمة النكراء إلى نصر ساحق. وقد تابع المشاهدون المغاربة بالمباشر كيف تدخل مدرب صفوان عطاف ونزع المايكروفون من يده وكذب كل ما قاله هذا الأخير عن ضعف الإمكانيات وانعدام الطبيب وختم بأغنية «العام زين». كما تابع الجميع بالصور كيف ينتظر الجنرال حسني بنسليمان ووزيرته في الشبيبة والرياضة الرياضيين المغاربة في المكان المخصص لتغيير الملابس لكي يواسونهم ويطبطبون على أكتافهم، وكأنهم يقولون لكل من ينزل من الحلبة «مفدوع» الكتف أو «راعف» الأنف أو «محلول» الجبهة، «كيف والو، تكبر وتنساها».

إن الصورة المخجلة التي ظهرت بها الرياضة المغربية في بكين أمام العالم تضع المسؤولين عن هذا القطاع أمام مسؤولياتهم. ومن حق الرياضيين المغاربة المشاركين في أولمبياد بكين أن يقاضوا هؤلاء المسؤولين لأنهم أرسلوهم إلى حلبات المواجهة بدون أطباء وبدون أن يكونوا مستعدين لمواجهة خصومهم. وكأني بهؤلاء المسؤولين «باغين الخدمة» في هؤلاء الرياضيين الشباب وهم يرسلونهم لكي يأكلوا ما يأكله الطبل يوم العيد ويعودوا إلى بلادهم معقدين ساخطين وناقمين على الرياضة وما يأتي منها بسبب كل تلك الهزائم الثقيلة التي تكبدوها. لحسن الحظ أن مباريات «السكرتح» لم تبدأ بعد، فهي آخر أمل تبقى لنا لكي نربح أحد المعادن التي يتبارى حولها العداءون.

وأنا أتابع مباريات الفروسية في الأولمبياد، استغربت كيف أن المغرب غير مشارك في هذا الصنف الرياضي. وتذكرت كل تلك السنوات الطويلة التي ظلوا يعذبوننا بالنقل الكامل لمنافسات أسبوع الفرس في التلفزيون. وأحيانا كان «أسبوع الفرس» يدوم أكثر من أسبوع، نتابع خلاله قسرا عشرات الفرسان وهم يتقافزون فوق الحواجز، حتى حفظنا قوانين هذه اللعبة وأسماء المشاركين فيها وأسماء الخيول وجنسياتها إلى درجة أن بعضها أصبح فردا من العائلة، كما حفظنا أصناف الجوائز التي يحصلون عليها. فهذا الفارس الكومندان وضار ممتطيا «طورنادو»، وهذا الفارس القبطان بنخرابة ممتطيا «الصامبا»، وهذا اليوتنان لوباريس ممتطيا «فولطير»، واليوتنان الطويل يمتطي «بالزاك». تصوروا هذه النهاية المخجلة لكاتب كبير في حجم بالزاك ارتبط بالرواية والنقد الأدبي والصحافة، فوجد اسمه في آخر المطاف معارا لفرس يركبه عسكري.

بعد كل هذه الأسابيع الطويلة المخصصة للفرس والمنقولة بحوافرها كاملة عبر التلفزيون الوحيد الذي كان مكتوبا علينا كقدر، لم يخرج للمغرب بطل واحد في الفروسية يستطيع أن يحمل علم البلاد في أولمبياد بكين.

هكذا يكونون قد عذبونا طيلة كل هذه السنوات بأسابيع فرسانهم بلا فائدة. مع كل ما تتطلبه هذه الرياضة من مصاريف باهظة للعناية بالخيول وبناء إسطبلاتها وتعويضات رياضييها.

واضح إذن أن تشجيع رياضة الفروسية في المغرب لم يكن القصد منه البحث عن بطولة في الملتقيات العالمية وجلب ميداليات للمغرب، وإنما إنشاء سوق مفتوحة لمربي الخيول الأصيلة، يستعرضون فيها «الدماء النقية» لحيواناتهم التي يساوي كل واحد منها ثمن عمارة للسكن الاقتصادي.

وبالإضافة إلى الفروسية هناك رياضة يخسر المغرب عليها من ميزانياته لتشجيعها الملايير كل سنة، وهي رياضة الكولف الراقية التي أحيا الله مخترعيها في العالم المتقدم حتى شاهدوا بعض المتطفلين عليها في المغرب يتشاجرون في مباريات جائزة كأس العرش الأخير ويتبادلون اللكمات المقرونة بأحط الشتائم. ومع كل ذلك لم تنجب لنا كل هذه الحفر والكيلومترات المديدة من العشب الباهظ الذي يسقى في بعض المناطق بالماء الشروب، ولو بطلا واحدا يمثل المغرب في الملتقيات الدولية لهذه الرياضة ويرفع العلم الوطني. ومن حسن حظ المغرب أن الغولف ليس رياضة أولمبية، وإلا لكان سجل غيابه كما غاب في مجموعة من الرياضات ككرة اليد وكرة السلة والكرة الطائرة الشاطئية ورياضة الكياك واقتصاره على المشاركة في سبع رياضات دون بقية الثمانية والثلاثين رياضة أخرى التي تتبارى فيها دول العالم حول الذهب والمعادن الأخرى الأقل لمعانا.

إن المشاركة الباهتة للمنتخب المغربي في أولمبياد بكين تنطوي على دروس عميقة لمن أراد أن يستخلص الدروس ويستفيد منها ويستعد للدورة المقبلة من الآن. وأول درس نستخلصه من غياب المغرب عن حلبة المنافسة في الألعاب الأولمبية هو غيابه عن الألعاب الجماعية. ولعل هذا مرده إلى سيادة الروح الفردية في الرياضة كما في باقي المجالات الأخرى بالمغرب. فالنزعة الفردية وتضخم الذات والأنانية كلها خصائص أصبحت تميز الشخصية المغربية، وبالتالي تعيق في المجال الرياضي نشوء وتطور رياضات جماعية تتطلب التنسيق والتعاون والتكامل. وهذه للأسف ليست خصائص مفقودة في الرياضة وحدها وإنما حتى في السياسة والاقتصاد وباقي المجالات الحيوية للمجتمع والتي تتطلب عملا جماعيا.

ولعل أهم درس يجب أن يستوعبه القائمون على الرياضة المغربية هو أن يكفوا عن انتظار المعجزات. فالميداليات لا تعلق بالحظ وإنما بالعمل الجاد والشاق لسنوات. وكم سيكون مفيدا لهؤلاء المسؤولين أن يعيدوا مشاهدة برنامج وثائقي حول استعدادات الصين للأولمبياد القادم بثته إحدى القنوات الفرنسية مؤخرا، في معهد خاص بتدريب أطفال تتراوح أعمارهم بين السابعة والثالثة عشرة على رياضة الجمباز. وعندما سأل الصحافي المدرب لماذا يختارون أطفالا بهذه السن المبكرة أجابه بأن هؤلاء ليسوا أطفالا وإنما أبطالا سيشاركون خلال أولمبياد 2012 القادم بلندن وسيجلبون ميداليات ذهبية للصين.

يجب أن نتوقف في المغرب عن الارتجال في كل شيء. فإما أننا مستعدون للذهاب إلى الأولمبياد وإما أن نعتذر عن المشاركة ونعفي المغرب من كل تلك المواقف المخجلة التي يعيشها اليوم في بكين. يجب أن نتخلى عن تلك النظرية السخيفة التي يرددها الجميع كلما تكبدنا هزيمة نكراء والتي تقول «المهم هو المشاركة». فللمشاركة شروط أهمها الاستعداد للخصم وتوفير ما يلزم للرياضيين المشاركين. أما أن يرسلوا الشباب إلى أحواض السباحة وحلبات العراك بلا أطباء ولا مدربين، ثم يقفون لتقديم المواساة والعزاء في الميداليات الضائعة فهذه ليست مشاركة وإنما مؤامرة.

أحد الصحافيين الذين اختارتهم اللجنة الأولمبية لكي يغطوا أولمبياد بكين كتب بأن حسني بنسليمان رئيس اللجنة الأولمبية «بات مطالبا بإعادة النظر في بعض مساعديه المتقدمين في السن، سواء منهم الموظفين أو أعضاء اللجنة بعدما أصبح وجودهم يعرقل عملها محليا ودوليا».
من يقرأ هذا الكلام يتخيل الجنرال حسني بنسليمان لازال في ريعان الشباب، وأن المشكلة ليست فيه وإنما في بعض مساعديه الذين تقدموا في السن ويجب تغييرهم. ومثل هذا الكلام هو ما يشجع حسني بنسليمان وأمثاله على التمسك بتلابيب الرياضة المغربية وإنزالها إلى الأسفل. لأنهم يزينون له عمله ويغالطون الرأي العام بإلصاق جريمة إغراق الرياضة المغربية بمساعدي الجنرال الذين شاخوا، وإعفاء الشاب حسني من دم هذه الرياضة النازف.

العدد 594 الجمعه 15 اغسطس 2008

الباسبور لخضر

في الوقت الذي أرسل فيه الملك رئيس مخابراته ياسين المنصوري إلى نواكشوط لكي يتدخل لإطلاق سراح الرئيس الموريتاني الذي أطاح به الجنرالات، وهذا ما تم بالفعل، في خلال هذا الوقت أرسل المحامي السويسري «فرانسوا مومبريز» مبعوثا خاصا إلى الملك يلتمس منه التدخل لإطلاق سراح مغربيين محتجزين بعاصمة العقيد القذافي طرابلس.

نحن هنا أمام مفارقة دبلوماسية مثيرة للتأمل. المغرب يتدخل لإطلاق رهائن موريتانيين في موريتانيا بينما يعجز عن التدخل لإطلاق سراح رهائن مغاربة في ليبيا. والكارثة هي أن الرهينتين لم يقترفا أي ذنب آخر في حق العقيد القذافي أو جمهوريته الديمقراطية العظيمة سوى كون إحدى الرهائن والدة المغربي سائق حنيبعل القذافي ابن العقيد، والآخر أخوه. وكل جريمة المواطن المغربي سائق جناب ابن الرئيس هو أنه سجل شكاية ضده عند شرطة سويسرا بعد خمس سنوات قضاها مستعبدا عند ابن الرئيس تعرض فيها للضرب والإهانة والتنكيل. فاعتقلت الشرطة السويسرية ابن الرئيس الليبي وزوجته للتحقيق معهما.

وكان أول رد ليبي على تعامل سويسرا مع ابن الرئيس الليبي طبقا لما تنص عليه قوانين البلاد، هو اعتقال مواطنين سويسريين في طرابلس بتهمة الهجرة السرية. ولحسن الحظ أن ليبيا لم توجه لهذين المواطنين السويسريين تهمة محاولة الهجرة السرية إلى أوربا، التي بالمناسبة يحملان جواز سفر إحدى أكثر دولها غنى وشهرة، سويسرا، حيث يضع العقيد وعائلته أموالهم في بنوكها.

وأول شيء قامت به السلطات السويسرية بعدما تطورت الأمور وهدد العقيد بقطع بتروله عن سويسرا وسحب أمواله من بنوكها، هو إيداعها للسائق المغربي الذي تسبب في اعتقال حنيبعل مكانا آمنا، حيث يخضع للعناية الطبية والنفسية جراء المعاملة القاسية التي تعرض لها على يد ابن العقيد.

وبينما قطع وزير الخارجية السويسري عطلته الصيفية والتحق بمكتبه على عجل للبحث عن حل لهذه الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين ليبيا وسويسرا، وأرسل رجله الثالث في الوزارة إلى طرابلس للتفاوض مع الليبيين حول مخرج للأزمة، فإن وزارة الخارجية المغربية ظلت محافظة على برودة أعصابها في ثلاجتها الدبلوماسية. أما سفارة المغرب بسويسرا وطرابلس والممثلة الدبلوماسية للمغرب في جنيف فكلهم فضلوا دس رؤوسهم في الرمال مثل النعام، وتركوا للمحامي السويسري مهمة إرسال مبعوث إلى الملك لكي يطلب منه التدخل للإفراج عن مواطنين من «رعاياه الأوفياء» المحتجزين في جمهورية العقيد الديمقراطية العظمى.

المحامي السويسري المسكين تعجب من حجم الازدراء الذي تعاملت به الحكومة المغربية مع رسائله التي طلب من خلالها تدخل وزراء مغاربة لصالح رهائن مغاربة في بلد جمعنا به ذات زمن قطار اسمه المغرب العربي. فقد انتهت مراسلاته في سلة المهملات، لأن وزراءنا في عطلة، وبما أنهم في عطلة فلا داعي للسرعة. ويبدو أن ليبيا هي أحسن من يطبق اليوم اتفاقية التعاون بين بلدان المغرب العربي، خصوصا بالنسبة لأبناء العقيد، فحنيبعل ليبي ولديه سائق مغربي وخادم تونسي، ولو بحثنا في قصوره جيدا لربما عثرنا على جزائري في مكان ما. والطريقة المثلى لتفعيل اتفاقية التعاون بين ليبيا ومواطني بلدان المغرب العربي، وخصوصا المغرب، هي احتجاز مواطنيها كرهائن عندما يقدم أحد أفراد عائلتهم شكاية بأحد أبناء الرئيس الليبي.

عندما نرى حماس الرباط الزائد، عبر صحافتها الناطقة بلسانها، للانقلابيين الموريتانيين والثناء على وطنيتهم الزائدة التي بفضلها تم إصلاح ما أفسده الرئيس المخلوع الذي أصبحت تسيره زوجته من خلال ترؤسها لإحدى الجمعيات، ثم إرسال رئيس المخابرات المغربية لمطالبة الانقلابيين بإطلاق الرئيس المخلوع ورجاله، ونقارن بين هذا الحماس الزائد للدفاع عن الآخرين والفتور المزمن في الدفاع عن مصالح المغاربة الذين تواجههم مشاكل خارج المغرب، نكتشف أن المغاربة أضيع في الخارج من الأيتام في مأدبة اللئام.
إنه لمن المخجل أن تتكفل السلطات السويسرية بالعناية الطبية والنفسية لمواطن مغربي تعرض للضرب والإهانة على أرضها بينما تستكثر عليه السفارة المغربية بسويسرا وممثلة المغرب في جنيف مكالمة هاتفية واحدة تسأل فيها عن أحواله، وما إذا كان بحاجة إلى محامي أو طبيب. كما أنه من المخجل أن يصل مسؤول في الخارجية السويسرية إلى طرابلس ليبحث مع الليبيين قضية عائلة السائق المغربي المعتقلة كرهينة، بينما يغمض السفير المغربي في طرابلس عينيه عن هذه الإساءة الدبلوماسية التي لا تمت للأعراف الدولية ولا لتقاليدنا الإسلامية بصلة.

كل الدول التي تحترم مواطنيها تتدخل لصالحهم عندما يتعرضون لمشاكل في بلدان أجنبية، إلا المغرب فإنه يتصرف كما لو أن الأمر لا يعنيه مطلقا. وربما أفهم الآن لماذا أخبرتني المواطنة حنان.س المهاجرة بهولندا بحزن أنه لم يعد يشرفها أن تكون مغربية وعربية، وعندما سمعت حكايتها وجدت له العذر.

فقد قررت هذه المهندسة المغربية المهاجرة هي وزوجها المهندس المغربي أن يقضيا عطلة في شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية، وحجزا في فندق من صنف خمس نجوم. لكنهما بمجرد وضعهما لأرجلهما في المطار تم منعهما من دخول مصر بحجة أنهما لا يتوفران على التأشيرة. رغم أنهما يتوفران على جواز سفر هولندي بالإضافة إلى المغربي. لكن جواب رجال الجمارك المصريين كان صارما، فالأمر يتعلق بما سموه «أمن الدولة». وكأن عطلة مهندسين مغربيين في مصر من شأنها تهديد هذا الأمن.

وهكذا قررت مصالح الجمارك المصرية إعادة الزوجين من حيث أتيا، أي إلى هولندا. بعد 12 ساعة من الانتظار فوق كراسي المطار وجدوا مقعدا فارغا في طائرة عائدة إلى أمستردام للمهندسة، بينما كان على زوجها أن ينتظر حظه.

وبمجرد ما وصلت المهندسة المغربية إلى هولندا اتصلت بالسفارة المصرية بأمستردام فأخبروها بأنهم لا يستطيعون القيام بأي شيء من أجلهما ماداما مغربيين. ثم عادوا وحاولوا حجز تذكرة إياب في طائرة قادمة من القاهرة إلى أمستردام، فاكتشفوا بندا في القانون المصري يمنع اقتناء تذكرة ذهاب دون إياب إلى أوربا بالنسبة للمسافرين العرب. مع أن هذا المغربي العربي يعيش في هولندا ويحمل جنسيتها ولا يفكر في الهجرة إليها للاستقرار بشكل غير شرعي. وحتى عندما اشترت زوجته تذكرة سفر أخيرا، فقد اكتشفوا أن المغربي لا يمكنه السفر من مطار شرم الشيخ إلى مطار القاهرة لأخذ طائرته نحو أمستردام، لأنه عمليا لازال داخل التراب المصري. وهنا «زغب» الله المهندسة المغربية واتصلت بالسفارة المغربية بالقاهرة لكي تطلب منهم مساعدة زوجها في الوصول إلى القاهرة ليأخذ طائرته. فأمطروها في السفارة المغربية بالأسئلة المتهمة من قبيل «علاش شدوكم، ياك مادرتو شي حاجة، ياك مالقاو عندكم شي حاجة»، لكي يطلب منها أخونا المغربي في السفارة جزاه الله خيرا أن تعيد الاتصال بعد ساعتين. وعندما عادت المغربية للاتصال بالسفارة وقعت على موظف آخر وأعاد عليها نفس الأسئلة المستفزة والمتهمة، وفي الأخير طلب منها أن تجدد الاتصال في الغد. أي أن المغربي المعتقل في المطار يجب عليه أن ينتظر ساعات أخرى بالإضافة إلى 36 ساعة التي قضاها رهينة الجمارك المصرية.

لحسن الحظ أن وكالة الأسفار الهولندية التي اشتروا منها تذاكر السفر استطاعت أن تقنع مطار القاهرة بالسماح للمغربي بالسفر نحوه، ومنه إلى أمستردام.

وتختم المهندسة حنان حكايتها هكذا «زوجي استطاع أخيرا أن يركب طائرته عائدا إلى البيت. وبعد كل الذي حدث لم أعد فخورة لا بمغربيتي ولا بعروبتي. عندما يمنعني بلد عربي من دخوله في الوقت الذي يسمح لكل الجنسيات الأخرى بالدخول، حتى أن الهولنديين اندهشوا عندما سمعوا هذا الأمر، عندما تعجز سفارة بلادي عن مساعدتي بينما يتطوع الهولنديون للقيام بذلك، عندما أرى أنني أستطيع السفر إلى أي بلد أوربي أشاء وعندما أفكر في تشجيع السياحة العربية في بلد إسلامي يتم طردي نحو أوربا، عندما يحدث لي كل ذلك أشعر بالخجل من جوز سفري الأخضر. ولذلك أعتقد أنني إذا فكرت في المستقبل في قضاء عطلتي أنا وزوجي فسنختار بلدا أوربيا، النصارى أولى بفلوسي، حلال عليهم».

وبعد كل هذا لازال البعض يستغرب لماذا يسارع المغاربة إلى طلب جنسيات دول أوربية، فهم مقتنعون بحكم التجربة أن جنسيتهم المغربية لا تحميهم عند الضرورة، بل بالعكس، يمكن أحيانا أن تكون سببا مباشرا لمشاكلهم.

العدد 593 الخميس 14 اغسطس 2008

سياسة التجهيل

أعتقد أنه كانت هناك في المغرب منذ القديم رغبة في تجهيل المواطنين وتغليطهم. والحسن الثاني نفسه قد اعترف بأن التعليم كان سبب مشاكله، خصوصا بسبب تلك النخبة التي أرادت أن تنازعه السلطة، فعاقب المتشددين منهم، وأغرى الوصوليين منهم بمواقع المسؤولية إلى جانبه، ثم تفرغ للتعليم فدق آخر المسامير في نعشه، وترك المغرب في مصاف الدول المتخلفة التي يصل فيها عدد الأميين إلى أكثر من خمسين بالمائة.

ولطالما كتبت الصحافة وانتقدت وجود مستشارين أميين أو محدودي التعليم في المجالس المنتخبة. لكن ذلك لم يغير شيئا من واقع الأمر. الذي وقع هو أن هذه الأمية والجهل ينتقلان أحيانا من مقرات المجالس المنتخبة إلى الشارع العام. مثال بسيط. بالأمس تناولت طعام الغذاء في أحد المطاعم الموجودة بحي بورغون بالدار البيضاء. وعلى أحد الجدران قرأت اسم الشارع المكتوب بالفرنسية والعربية. اسم الشارع هو «لاغيينيون»، الذي يحيل على جزيرة «لارينيون». المصيبة أن ترجمة هذا الاسم إلى العربية تحولت إلى «شارع الاجتماع». ويبدو أن الأمر اختلط على مترجم مجلس المدينة إلى الحد الذي ترجم اسما إلى فعل. غير بعيد عن حي بورغون، وفي حي المعاريف بالضبط، نعثر على زنقة تحمل اسم «أحمد أمين»، وكتعريف للرجل وضعوا تحته «شاعر». مع أن أحمد أمين لم ينظم قصيدة واحدة في حياته، وكان كاتبا معروفا بكتاباته المدافعة عن المرأة.

تجهيل المواطنين الذي بدأ مع الحسن الثاني، استمر في «العهد الجديد»، لكن ذلك اليوم بطرق أكثر «حداثة» من السابق. قبل يومين وأنا أستمع إلى برنامج إذاعي تبثه إحدى الإذاعات الخاصة من الدار البيضاء في الثامنة والنصف مساء، تأكدت من أن بعض هذه الإذاعات الخاصة أصبحت أدوات فعالة لنشر ثقافة الجهل والتسطيح والتغليط. كان موضوع النقاش حول الوشم عند المغربيات، ومن خلال تعليقات مسير البرنامج وتدخلات المستمعين يتضح أننا وصلنا إلى مستوى متدني من الرداءة الإذاعية. فهذه مستمعة تقول بأن أختها لا تجرؤ على وشم جسدها لأنها إن فعلت ذلك فإن أخاها سيكسر أضلعها، وثانية تقول بأن الواشمات لسن سوى نساء «خارجات الطريق»، وآخر يفرغ على المستمعين كبته القديم ويقول لهم بأنه يحب كل شيء توجد فيه رائحة الفتيات، وأن المكان المفضل لديه في الوشم على جسد المرأة هو «البوط». وفي هذه الأثناء يتدخل «المنشط» لكي يقول للمستمعين بأنه توصل برسائل قصيرة على هاتف البرنامج لو قرأها عليهم فإن التسونامي سيصلهم إلى الإذاعة.

وقد تركت بعض هذه الإذاعات الخاصة التي كنا نعول عليها للرقي بالذوق ورفع مستوى النقاش السياسي والثقافي في البلاد، كل المواضيع والإشكاليات التي تشغل بال الرأي العام الوطني جانبا وانشغلت بموضوع تافه كالوشم، وخصصت له حيزا زمنيا «محترما» وكأن المواضيع انتهت في المغرب ولم يبق سوى معضلة الوشم على جسد المرأة.

التلفزيون الرسمي بقناتيه ليس أحسن حالا من بعض إذاعاتنا الخاصة. وإذا كان هناك من أداة لتجهيل المواطنين وتغليطهم فهي بالضبط نشرات أخبار هذا التلفزيون وبرامجه السياسية. وقد رأينا كيف حاول عباس الفاسي الوزير الأول تغليط الملايين من المغاربة عندما ادعى أن سيدي إفني لم تشهد أية أحداث، وبثت نشرة أخبار القناة الثانية مباشرة بعد هذا التصريح صورا من الأرشيف لميناء المدينة الهادئ، قبل أن تتجاوزها الأحداث وتعود إلى تصوير روبورتاج عن الأحداث التي هزت المدينة وتستجوب بعض أعضاء حركة «أطاك» الذين شاركوا في الأحداث.

وآخر درس في تغليط الرأي العام تكفلت بإعطائه وكالة المغرب العربي للأنباء، عندما تعاملت مع تصريحات والتر والسوم المبعوث الأممي في الصحراء بمنطق لائحة الطعام، أي أنها أخذت منه ما رأته صالحا لقصاصاتها وتركت البقية جانبا. هكذا نزلت قصاصة الوكالة تقول بأن والتر فالسوم يؤكد على استحالة قيام كيان مستقل في الصحراء. فيما تصريح فالسوم الكامل يقول بأن الشرعية الدولية مع البوليساريو لكن المغرب لديه شرعية الواقع.

هكذا تتحالف وكالة الأنباء الرسمية والإعلام الرسمي من أجل هدف واحد، وهو تغليط الرأي العام وإعطاؤه صورة ناقصة، وأحيانا مشوهة، عما يحدث حوله. وكأن هذا الرأي العام لا يعيش ثورة معلوماتية خارقة للعادة، ويتلقى الأخبار فور وقوعها من مصادر متعددة وبصورة واضحة ومتكاملة تمنحه فرصة تكوين رأيه وموقفه الخاص بعيدا عن أي تأثير جانبي.

ولكي نفهم أسباب هذه الحملة التجهيلية التي يتعرض لها المغاربة، لا بد من العودة سنوات إلى الوراء، خصوصا في الفترة التي تعرض فيها التعليم أيام الحسن الثاني إلى أسوأ مؤامرة بتواطؤ مع حزب الاستقلال. ويحكي مولاي أحمد العراقي الوزير الأول على عهد الحسن الثاني في آخر حوار له أن التعليم كان من القطاعات الفاشلة بسبب سياسة التعريب التي ضغط حزب الاستقلال من أجل تطبيقها. هذا في الوقت الذي كان فيه المدافعون عن تطبيق سياسة التعريب في التعليم العمومي يدرسون أبناءهم في مدارس البعثة الفرنسية. والنتيجة هي ما نرى اليوم، فهؤلاء الأطفال الذين درسوا في البعثة الفرنسية عندما كان آباؤهم من قادة حزب الاستقلال يدافعون عن تعريب تعليم أبناء الشعب، هم من يمثلون حزب الاستقلال في الحكومة،. ومنهم ياسمينة بادو وكريم غلاب ونزار بركة وغيرهم.

وعمليا فإن حزب الاستقلال استعمل التعليم كأداة لعرقلة وصول الطبقات الشعبية إلى مصاف النخبة الفاسية والرباطية التي تمتلك الأدوات العلمية لممارسة الحكم، أو على الأقل التواجد في مراكز القرار.

وطيلة عقود ظلت المدرسة العمومية تنتج أشباه الأميين، وتحولت الجامعة إلى بورصة لبيع وشراء البحوث الجامعية وأصبح لتسجيل الأطروحات ثمن ولمناقشتها ثمن. حتى أصبحت الجامعات المغربية خارج ترتيب سنة 2008 لأفضل 500 جامعة عالمية. وخلال هذا الوقت ظلت العائلات نفسها التي تحتكر مقاعد مدارس البعثة الفرنسية هي نفسها منذ الاستقلال وإلى اليوم. وفي لائحة الناجحين في الباكالوريا منذ افتتاح البعثة إلى الآن، والتي ينشرها الموقع الرسمي لمدارس البعثة، نعثر على أسماء أبناء كل وزراء التعليم الذين تعاقبوا على الحكومات المغربية.

وهكذا فالتجهيل على مستوى التعليم في المغرب لم يكن مجرد خطأ سياسي عابر، وإنما كان سياسة مقصودة ومخططا لها بعناية بالغة، هدفه التحكم في إنتاج النخبة. تلك التي سمح الحسن الثاني بتكوينها مع بداية الاستقلال فكادت أن تخرج له في عوده. وهكذا تحالف حزب الاستقلال مع النظام من أجل إنتاج نخبة على المقاس موالية للنظام، سوف تسند إليها في المستقبل مسؤولية حمل المشعل الذي سيتركه آباؤهم. وهذا ما وقع بالضبط.

وإلى اليوم لم تتوقف هذه الآلة الجهنمية التي تبخس أبناء الشعب حقهم الطبيعي في التكوين العلمي العالي. والدليل على ذلك هو لجوء أكبر المؤسسات التعليمية العليا في المغرب إلى برمجة امتحانات الشفوي للولوج إليها في اليوم نفسه. حتى يقلصوا من فرص المرشحين الذين قبلت طلبات ترشيحهم في الولوج إليها، رغم معدلاتهم الجيدة.

في الدول التي تقدر العلم والتكوين العالي يبحثون عن الطاقات والكفاءات بالفتيلة والقنديل، ويمكنونهم من المنح والسكن لكي يدرسوا في أحسن الظروف. أما عندما فيضيقون عليهم الخناق ويبرمجون جميعهم امتحانات الولوج في يوم واحد، حتى يقلصوا من حظوظهم في ولوج أحد هذه المعاهد العليا.

ومع ذلك تستغرب جريدة الوزير الأول في عدد الأمس كيف أن هجرة الأدمغة مستمرة وأن المغاربة يتربعون على صدارة ترتيب المهاجرين المقبولين بكندا.

أنا ما أستغرب له صراحة هو كيف استطاع أبناء الشعب من المغاربة تحدي كل حملات التجهيل التي قادتها الدولة ضدهم بسياساتها العرجاء، واستطاعوا أن يكونوا أنفسهم بوسائلهم الخاصة في مدن ليست فيها مكتبات ولا مختبرات للبحث العلمي ولا بنيات تحتية. تصوروا لو أن المغاربة الذين نراهم اليوم يسيرون أعقد مراكز البحث في المستشفيات العالمية، ويحاضرون في أعرق الجامعات، ويخترعون أدق المعدات الطبية والصناعية، تصوروا لو أن هؤلاء المغاربة تلقوا تكوينا علميا حقيقيا ووجدوا من يوفر لهم في بلدهم أسباب البحث العلمي، كيف كان سيكون المغرب.

أكيد أننا كنا سنكون من بين الدول المتقدمة. فهذا الشعب الذي يقاوم التجهيل بوسائله الخاصة شعب موهوب من دون شك، ولديه مناعة ضد التجهيل والتغليط. انظروا فقط إلى عدد الصحون اللاقطة فوق أسطح البيوت لكي تفهموا أننا شعب يبحث لكي يعرف ما وراء بيته ويبتكر لكي يرى أبعد من أنفه.

في عهد الحسن الثاني استعملنا الكسكاس لكي نقبض على «تيفي 5» وفي عهد محمد السادس نستعمل البارابول ونقرصن الشفرات لكي نلتقط العالم بأسره. ولأنهم يخاصموننا في الداخل فإننا سنظل أبد الدهر نبحث عن من يفهمنا في الخارج.

العدد 592 الاربعاء 13 اغسطس 2008

السفر الأخير

قدر رموز القضية الفلسطينية أن يجسدوا المنفى في حياتهم كما في مماتهم. لقد كان على ياسر عرفات أن يغادر أرضه الفلسطينية المحتلة التي عاش طيلة حياته مدافعا عنها نحو باريس لكي يموت. كانوا يعرفون جميعهم أنه لن يرجع، وأن تلويحة يده المرتعشة، بسبب السم الذي جرعه إياه العدو بيد الصديق، ستكون آخر تلويحة من يد الرئيس. فدخل المستشفى الباريسي لكي يسلم روحه فوق أحد أسرته، بعيدا عن رفاق السلاح والثورة.

محمود درويش الذي لا يمكن ذكر اسمه إلا مقرونا بفلسطين والبندقية والثورة والقهوة والزيتون، كان عليه أن يحضن والدته الطيبة وإخوته دون أن يستطيع النظر في عيونهم ويخبرهم بأن عليه أن يسافر إلى أمريكا، لكي يفتح قلبه المتعب هناك. أمريكا التي وصفها بالطاعون في إحدى قصائده ووقف ياسر عرفات يصفق بحرارة في تلك الأمسية الشعرية في منفاه التونسي عندما ردد درويش مقطعه الحماسي «أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا»، رافعا أصبعه المتهم نحو القارة التي سيكون عليه بعد اشتداد مرضه أن يحمل إليها قلبه على متن الطائرة لكي تفتحه عن آخره. ويبدو أنها فتحته أكثر من اللازم، ما يكفي لكي تتسلل روحه خارجه في نزهة وتضيع طريق العودة إليه.

كل الذين ولدوا في السبعينات والثمانينات وأصيبوا بلوثة الشعر والكتابة مدينون لمحمود درويش بشيء. ولعلني لست الوحيد الذي يستطيع أن يعترف بأنه لولا قصيدة «سجل أنا عربي» لما انفتحت عيناي على منجم اللغة المليء بالجواهر والمعادن النفسية والذي يشتغل داخله طينة خاصة من البشر اسمهم الشعراء.

ذات صباح جاءنا إلى القسم أستاذ شاب وأنيق اسمه الهاشمي لكي يدرسنا مادة اللغة العربية في إطار الخدمة المدنية التي كانت إجبارية آنذاك. وكان يعتقد أن أحسن طريقة لتحبيب اللغة إلينا ليست هي حفظ قواعدها الجافة وإعراب جملها وتصريف أفعالها إلى الأزمنة المضارعة والماضية، وإنما الشعر. وليس أي شعر، الشعر الحر. كنا ندرس في قسم الثالث إعدادي وكانت أعمارنا تتراوح بين الثالثة عشرة والرابعة عشرة. ذات صباح جاءنا بقصيدة قال إنها لشاعر فلسطيني اسمه محمود درويش وعنوانها «سجل أنا عربي»، وأحضر مسجلة صغيرة وأسمعنا القصيدة بصوت صاحبها. وبعد برهة رحنا نردد وراءه القصيدة وقد حفظناها عن ظهر قلب. بعد ذلك عرفنا الأستاذ على الشاعر وحياته وبقية قصائده. وهكذا اكتشفت شعرا آخر غير شعر طرفة بن العبد والمتنبي وأحمد شوقي ونزار قباني الذي كنا ننتحل قصائد غزله لكي نرسلها إلى الفتيات.

ومنذ ذلك اليوم صرت ألتهم كل ما كتبه محمود درويش من أشعار. أحببت عكا وحيفا وريتا حتى دون أن أعرف مواقعها على الخريطة. أحببت أمه التي لم أفهم قصيدته التي يحن فيها إلى خبزها وقهوتها ولمستها إلا عندما صرت مشردا مثله في بلدان الآخرين. أدمنت اقتناء مجلة «الكرمل» التي كان يصدرها وينشر فيها افتتاحياته الرائعة. فدرويش لم يكن أحسن من يكتب الشعر، وإنما أحسن من يكتب النثر أيضا. لأنه كان يعرف أن النثر هو امتحان الشاعر الكبير. فكانت نصوصه النثرية عبارة عن قصائد طويلة.

وعندما وصلت إلى الجامعة، عثرت في المكتبة على أعماله الكاملة. وطيلة أربع سنوات أدمنت على قراءة وإعادة قراءة قصائده. وعندما اشتغلت في التلفزيون غطيت أحد لقاءاته في مقر الولاية بالرباط، وجلست قريبا منه، لكنني لم أكلمه ولم أسع لمصافحته. وجلست أنظر إليه وأراقب حركاته. أصابعه التي يخلل بها بين حين وآخر خصلة شعره المسدلة فوق جبينه، نظاراته الطبية التي تخفي عينين مجهدتين بفعل الأرق، صديق الشعراء القديم، قميصه الأبيض المكوي بعناية، وساعة يده ذات الحزام الجلدي الفاخر، والتي خمنت أنها مصابة بالدوار من شدة تغيير مواقيتها بسبب أسفار درويش الكثيرة حول العالم.

قيمة محمود درويش الأدبية والإنسانية ليست فقط في ما تركه من رصيد شعري هائل، بل في كونه أعاد للشعر قوته وعنفوانه في زمن عربي موشوم بالهزيمة والخذلان. فصارت قصائد درويش أخطر من طلقات البنادق، وصوت الكينيسيت الإسرائيلي على اقتلاع قصائد درويش من المقررات المدرسية في إسرائيل كما يقتلع الجيش الإسرائيلي أشجار الزيتون في القرى الفلسطينية. وقبله حوصر درويش في بيته بفلسطين المحتلة، لأن قصائده كانت أشد وقعا على العدو من رصاص المقاومة.

عندما يفقد الإنسان أرضه وموطنه تؤويه اللغة، فاللغة ملاذ المشردين والضائعين. ومحمود درويش سكن اللغة العربية، لكنه لم يسكن طوابقها العلوية حيث يوجد شعراء وكتاب آخرون يطلون على القارئ من نوافذ غرفهم العالية. بل سكن قريبا من الطابق الأرضي، حيث يسهل دخول الضيوف عليه وجلوسهم إلى مائدة شعره الباذخة، حيث الاستعارات والصور الشعرية والمفارقات الساخرة كلها فواكه طازجة طوع اليد معروضة باشتهاء للعابرين.

كان درويش يستحق جائزة نوبل للآداب، لكنهم لم يمنحوه إياها يوما. لأنه كان يجسد عذاب الضمير العالمي تجاه قضية عادلة تآمر عليها الأصدقاء قبل الأعداء. كان يحمل خنجر الغدر في ظهره ويتنقل به عبر العواصم العالمية لكي يرى العالم المتحضر الجريمة النكراء التي شارك فيها بصمته وتواطئه.

موت درويش يذكرنا بمدى ضرورة الشعر اليوم في عالمنا العربي الذي قتله الإطناب والخطابة والاجترار والتكرار. فكم نحن محتاجون لروح الشاعر الثائرة التي تقاوم باللغة عبث الحكام وساديتهم. تلك الروح القلقة التي سكنت شعراء كبار وأخافت الأرواح التافهة للديكتاتوريين والقتلة والسفاحين. فالشعر لا يسكن الأرواح المزيفة، بل النقية والشفافة. وعندما حاول كرادزيتش جزار البوسنة أن يتخفى في شخص طبيب أعشاب وكاتب أشعار للأطفال، فضحه الشعر وألقي عليه القبض. فالشعر لم يكن أبدا قناعا يصلح لإخفاء الجريمة، بقدر ما كان دائما أصبع اتهام يشير إلى المجرم.

وكل من يعتقد أن الشعر هو القصائد والأبيات والدواوين فهو مخطئ. فالشعر أسلوب حياة قبل أن يكون أسلوب كتابة. والشاعر ليس إنسانا عاديا مثل الآخرين، إنه روح قلقة وثائرة تبحث عن الحرية في كل شيء. والناس يعتقدون أنهم أحرار لمجرد أن أرجلهم لا توجد في القيد، وكم هم مخطئون، لأن السجين الحقيقي ليس هو المعتقل بين أربعة جدران، بل الموثوق القدمين واليدين بسلاسل الخوف. والشاعر الحقيقي يتحدى الخوف في كل لحظة. ولذلك قرر درويش أن يذهب أخيرا لمواجهة هذا الموت الذي أجله طويلا، أعزل إلا من قلبه المتعب. ذهب بعد أن شكر أصدقاءه في رام الله على الحفل التكريمي الذي أقاموه له، وسخر كعادة الشعراء الكبار من هذا التكريم وشبهه بأحسن حفل تأبين لم يحضره، ببساطة لأن الموتى لا يحضرون تأبينهم. ودع أهله وأصدقاءه الوداع الأخير، وحزم حقيبة سفره وقدم نفسه للجراحين لكي يشقوا صدره ويفتحوا قلبه لثالث مرة، لآخر مرة.

أتخيل تلك الموظفة الأمريكية التي تأتي إلى سريرك مباشرة بعد دخولك ذلك المستشفى الكبير، لكي تطلب منك التوقيع على كومة من الأوراق، منها واحدة تتعلق بموافقتك على التبرع بأعضائك في حالة موتك. فقد مررت لبضع ساعات بالمستشفى نفسه الذي مات فيه محمود درويش عندما كنت في زيارة لمدينة هيوستن سنة 2006 وألمت بي حالة تعب بسبب توالي الرحلات الجوية في تلك الزيارة التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية لحوالي عشرة صحافيين من العالم العربي.

أتخيل درويش وهو يبتسم في وجه الموظفة ويقول لها أنه يريد أن يعود إلى قريته بأعضائه كاملة. لقد تبرع للعالم بسبعة وستين عاما من عمره قضاها في تأليف وطن من الكلمات والاستعارات، مقابل أن يورث هذا العالم أرضه وموطنه لقوم آخرين جاؤوا من الشتات، لذلك سيكون من الجشع أن يطمع هذا العالم المتحضر في أعضاء محمود درويش المتعبة ليورثها أشخاصا آخرين بعده.

في هذا المستشفى الأمريكي الذي يعتبر أحسن مستشفى لأمراض القلب في العالم بأسره، أجرى جراح فلسطيني عملية ناجحة على القلب المفتوح للرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن. تصوروا هذه المفارقة، جراح فلسطيني ينقذ قلبا قاسيا لرئيس روسي يشرب الفودكا كما يشرب غيره الماء، وجراح أمريكي يفشل في إنقاذ قلب شاعر فلسطيني مرهف وحساس.

السياسيون دائما قلوبهم أقسى وأقدر على تحمل قذارة العالم وحماقاته. أما الشعراء الحقيقيون فيتعبون في منتصف الطريق ويرحلون. عزاؤهم الوحيد أن قصائدهم تبقى كوصايا للقادمين بعدهم إلى معترك الحياة.

لن نعاتب صاحب «لماذا تركت الحصان وحيدا» على رحيله المباغت، ولن نسأله لماذا ترك الشعر وحيدا في هذا الليل العربي الحالك وذهب بمفرده ليموت بعيدا عن الأرض التي أحبها وحارب من أجلها بجيش متراص ومتناغم من الكلمات. فقلبه يرتاح الآن من الخفقان، وروحه الحيرانة والقلقة ستجد السكينة والسلام إلى جانب الذين حملوا فلسطين في قلوبهم ورحلوا قبل أن يروها محررة وعلمها يرفرف فوق القدس الشريف.

العدد 591 الثلاثاء 12 اغسطس 2008