المساء - شوف تشوف - رشيد نيني : الدعاء المستجاب

هناك غرائب تقع في بعض القطاعات الحكومية لا تصل إلى أسماع الوزراء المحترمين الجالسين في أبراجهم العالية بحي الوزارات. ووزير العدل مثلا لم يسمع من قبل عن وظيفة الزوج «الحَلاَّل». وهو الرجل العاطل عن العمل والذي توجد ثلاث أو أربع نساء في ذمته على سنة الله ورسوله، تعيش كل واحدة منهن في بيتها الخاص. مع فرق بسيط، هو أن تلك الزوجات لا يشتغلن كربات بيوت وإنما يشتغلن كعاهرات. وفي كل مرة تسقط إحداهن في قبضة رجال الأمن متلبسة بممارسة الفساد، تعترف لهم أنها امرأة متزوجة، حتى تحاكم بتهمة الخيان الزوجية.

لكن الزوج بمجرد ما ينتهي إلى علمه خبر اعتقال إحدى «زوجاته» حتى يسارع إلى مركز الشرطة ويتنازل لزوجته عن حقه في متابعتها بالخيانة الزوجية. ويأخذها إلى بيتها حيث تعيش منفصلة عنه. لكي يصله في آخر الشهر تعويضه على «تحليله» لها أمام الشرع.

وأمام أغلب محاكم المملكة هناك «موظفون» لا يمكن أن تجد أرقام تأجيرهم في أي مصلحة من مصالح وزارة العدل، ومع ذلك فهم يشتغلون مع المحاكم كشهود زور. فهناك شهود الزور الخاصون بالعدولات، وهم مستعدون للإدلاء بشهادتهم في قضايا التركة، ويمكن أن تعثر على شهود زور حسب السن التي تريد، خصوصا في ما يتعلق باللفيف. وكل طبعا حسب ثمنه.

وهناك شهود الزور الخاصون بالمحاكم، وهم متخصصون في قضايا الجنحي والعادي، ومتوفرون حسب المناطق التي تقع فيها الأحداث التي يحتاج فيها الزبون شهادة.

ثم هناك أخيرا شهود زور المقاطعات. وهؤلاء متخصصون في تقديم الشهادة للمحتاجين إلى شهادة العزوبة أو غيرها من الشهادات التي تمنحها المقاطعات للمواطنين.

وإذا كان وزير العدل يجهل وجود هذه المهن «التكميلية» التي تعطي خدماتها للمواطنين أمام أبواب أغلب محاكم المملكة، فإن وزيرة الصحة ياسمينة بادو تجهل ربما أن الدماء التي تجمعها وزارتها من تبرعات المواطنين أصبحت تباع اليوم في مستشفياتها العمومية بأربعمائة درهم للكيس الواحد. والحالة الوحيدة التي يستفيد فيها المرضى من أكياس الدماء مجانا هي عندما يقرر طبيب الإنعاش ذلك بعد أن يتأكد من أن نسبة الهيموغلوبين في دماء المريض لا تتعدى أربعة غرامات في كل لتر. أما إذا وصل المواطن بذراعه مكسورة وحوضه مفككا وجلدة رأسه مفتوحة، ووجد الطبيب أن نسبة الهيموغلوبين في دمائه تصل إلى سبعة غرامات، فإن المريض يكون مطالبا بدفع ثمن أربعة أكياس من الدماء من جيبه. والحل الوحيد المتبقي أمام المواطن الذي لا يملك مصاريف اقتناء أكياس الدماء عندما يتعرض لمثل هذه الحوادث، هو أن يمر ببيته قبل أن يقرر التوجه إلى المستعجلات، ويجلس فيه لكي ينزف بهدوء حوالي «إطرو» من الدم، ما يكفي لكي تنزل نسبة الهيموغلوبين في دمه إلى أربعة غرامات التي تمنح الاستفادة المجانية من الدماء في مستشفيات ياسمينة.

والنصيحة الوحيدة التي يجب أن تخرج ياسمينة بادو لإعطائها للمواطنين في وسائل الإعلام العمومية، هي أن كل من فكر في إدارة محرك سيارته والنزول إلى الطريق عليه أن يتأكد أولا من وجود مبلغ 2000 درهم في جيبه. ثمن أربعة أكياس من الدم على الأقل، تحسبا لوقوع حادثة لا قدر الله قد يكون من نتائجه الوصول إلى أحد مستشفيات ياسمينة. لهلا يوصل ليها شي مسلم.

وقد كنا على عهد الشيخ بيد الله نتأسى على مطالبة إدارة المستشفى المرضى باقتناء الخيوط والبنج والبيطادين، إلى أن جاءت ياسمينة بادو فأصبحت في عهدها تباع حتى أكياس الدم التي يتبرع بها المواطنون.

أما وزير التربية والتعليم الذي قدم مشروعه الإصلاحي أمام الملك على شاشات تلفزيونات البلازما المتطورة، والذي تفتخر الكاتبة العامة لوزارته بالقضاء على الاكتظاظ في الأقسام، فلا بد أنه يجهل أن هناك أقساما في مدارس بالحي الحسني بالدار البيضاء «تحتضن» أكثر من ستين تلميذا في القسم الواحد في الجذع المشترك. وبينما يتحدث سعادته عن إصلاح منظومة التعليم يقف تلاميذ على أرجلهم في آخر الفصل بهذه المدارس لأنهم لا يجدون طاولات فارغة يجلسون عليها.

وعندما نتأمل طريقة الوزارة في سد الفراغ الحاصل في أساتذة بعض التخصصات، نفهم أن «إصلاح منظومة التعليم» كما يفهمها ويطبقها خشيشن هي «كم حاجة قضيناها بتركها». فمثلا عندماا تعذر على نيابة التعليم بالدار البيضاء الكبرى توفير أستاذ لمادة الترجمة لتلاميذ السنة الأولى ثانوي، فالحل سهل للغاية، فقد قامت النيابة بإلغاء مادة الترجمة من المقرر. وهذا ما وقع بالفعل خلال هذا الدخول المدرسي الحالي.

وليست مادة الترجمة هي الضحية الوحيدة في دخول هذه السنة، بل حتى مادة الفلسفة التي هللوا في الوزارة برجوعها إلى مقررات التعليم. ألغتها نيابة التعليم من مقررات الجذع المشترك.

وإذا كانت وزارة التعليم في عهد خشيشن تلجأ إلى إلغاء المواد الدراسية من المقررات وحرمان التلاميذ من حقهم في المعرفة، فهناك تلاميذ في مراكش ليسوا محرومين فقط من بعض مواد المقرر وإنما حتى من الماء في المراحيض. وحسب نائب وزير التربية الوطنية بمراكش فهناك أكثر من مائة مؤسسة تعليمية بمراكش تفتقر إلى المرافق الصحية الضرورية. وهكذا أصبح التلاميذ في مؤسسات تعليمية كثيرة يلجؤون إلى الاستنجاء بالحجارة عند قضاء حوائجهم.

وأخطر من استنجاء التلاميذ بالحجارة وإلغاء الترجمة والفلسفة من مقررات بعض المؤسسات التعليمية، هناك «القدوة الحسنة» التي يفتقر إليها التلاميذ. فكل يوم تقريبا يشاهد هؤلاء التلاميذ في وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية ما يحدث لطلبة ناجحين ولامعين استطاعوا أن يكملوا جميع مراحل تعليمهم العالي، وفي الأخير أصبحوا يقطعون صيامهم أمام البرلمان بانتظار استئناف مسلسل الضرب والجرح على يد قوات الأمن.

وبسبب استمرار هذا الفيلم المخجل في قلب الرباط، وأمام عمالات وباشويات وقيادات الأقاليم النائية، ستظل العائلات المغربية ترى في أطفالها الذاهبين إلى المدرسة مجرد مشاريع عاطلين عن العمل سينتهي بهم المطاف عاجلا أم آجلا إلى ساحة البرلمان. ولعل هذا أحد أهم أسباب العزوف عن الدراسة، والتي لا يشير إليها ميثاق إصلاح التعليم للأسف.

لهذه الأسباب مجتمعة، عندما أقرأ رسائل بعض القراء الذين فروا بجلودهم من المغرب، أفهم سبب انضمامهم إلى «نادي المهجرين المغاربة» الذين نجح قادتنا في طردهم من بلادهم نحو بلدان الجيران. وإليكم واحدة من هذه الرسائل عسى أن يفهم البعض لماذا هرب إلى حدود اليوم ثلاثة ملايين ونصف مليون مغربي من أجمل بلد في العالم، بكل الوسائل المتاحة، والتي لم تسلم منها حتى السباحة.

«السلام عليكم، كيف الحال أنا من قرائك وأقيم في اسبانيا. كتبت لك تقريبا منذ سنتين وكنت حينذاك لا أزال بالمغرب، وتذكر أنني قلت لك لو كلفني الهروب من المغرب 20 مليونا لدفعتها للهروب من جو المغرب المخنوق بالظلم و«الحكرة». مع إني ابن عائلة ميسورة والحمد لله. وقلت لك إني أريد أن أعيش كبشر، لا ككلب حشاك. والحمد لله تحقق الحلم وبطريقة قانونية. وعندما أتيت هنا بدأت بعقد المقارنات. ووجدت أن القانون يسري على الكل ولو كان ابن رئيس الوزراء. الرشوة لا وجود لها. هنا يوجد المسلمون الحقيقيون، ولا تنقصهم سوى الشهادة.
نحن خمسة إخوة في الخارج، الكل فر بجلده، مع أنهم كلهم ذوو مستوى علمي. لم أكن أريد مفارقة أبي وأمي وأهلي في المغرب ولكن «الله يجعل التقليد على من جرى علينا وهربنا من بلادنا».

آمين يا رب العالمين.

الديموتراكتورية

يحتفل العالم الديمقراطي كل يوم خامس عشر من سبتمبر باليوم العالمي للديمقراطية. وهذه مناسبة عندنا في المغرب لكي نطرح على أنفسنا السؤال الكبير الذي لازلنا نبحث له عن إجابة منذ تسع سنوات. هل دخل المغرب نادي الدول الديمقراطية أم ليس بعد. بالنسبة للبعض فالمغرب يعيش انتقالا ديمقراطيا بلا نهاية. وبالنسبة للبعض الآخر فالمغرب لم ينتقل إلى أي مكان، فهو لا زال قاعدا في قاعة الانتظار نفسها التي تركه فيها الحسن الثاني، حائرا ما بين دخول قاعة العمليات أو العودة إلى البيت بعاهاته المستديمة.

على العموم إذا كان المغرب لم يفلح في تحقيق الديمقراطية فعلى الأقل نجح في إفراز حركة تسمي نفسها «حركة لكل الديمقراطيين» كان وراء فكرة تأسيسها وزير منتدب في الداخلية، فعل كل ما بوسعه عندما كان البوليسي رقم واحد في المملكة لكي يساهم في رسم خرائط انتخابية مشبوهة.

عندما نتأمل المسار الذي قطعه صديق الملك للوصول إلى تأسيس حزب «الأصالة والمعاصرة» والمشاركة به هذه الأيام في الانتخابات الجزئية، نخرج بخلاصة بسيطة مفادها أن هذا الحزب تم بناؤه على الكذب منذ أول لحظة.

ولعل الجميع يتذكر كيف غادر فؤاد عالي الهمة منصبه بوزارة الداخلية قبل ثلاثة عشر شهرا من اليوم. وعندما سألوه عن السبب في هذه الاستقالة المفاجئة، وهل هي غضبة ملكية أم مراجعة سياسية للذات، قال الهمة لكل من أراد تصديقه بأنه غادر وزارة الداخلية لكي يتفرغ لخدمة وطنه وملكه من منظور آخر. لكي نكتشف في آخر حوار أجرته معه «جون أفريك» أنه فاتح الملك في موضوع خروجه من الداخلية للعمل السياسي فأجابه هذا الأخير بأنه فكر في الشيء نفسه. يعني توارد خواطر، كما يسميه أبو سلام الجمحي في كتابه «طبقات فحول الشعراء».

ثم ما لبث أن فاجأ الجميع بإعلانه ترشيح نفسه في الانتخابات بمسقط رأسه بالرحامنة. وكون فريقا اختار له رمز الجرار، وفاز بثلاثة مقاعد في دائرته.

وعندما سألوه هل ينوي تشكيل أغلبية في البرلمان لكي يكون وزيرا أول، نفى ذلك، وقال بأنه يريد فقط خدمة مصالح مسقط رأسه. فدخل البرلمان وشكل فريقا قويا من بقايا الأحزاب والبرلمانيين الرحل الباحثين عن الكلأ والماء. فأصبح لديه فريق برلماني مساند لحكومة عباس يقيها خطر معارضة مفترضة يقودها حزب العدالة والتنمية قد تعرقل مرور قوانين الحكومة في البرلمان.

وخلال هذا الوقت لم يفوت الهمة فرصة واحدة لكي يؤكد على أنه لا ينوي تأسيس حزب سياسي. وأن هناك ما يكفي من أحزاب سياسية في المغرب. وظل حريصا على الظهور إلى جانب الملك في أكثر من مكان. وطافت صورته حيث يجلس بجانب الملك في سيارته الشخصية كل قاعات التحرير في المغرب.

وفي الذكرى الأولى لمغادرته لوزارة الداخلية، وبينما الصحافة الأسبوعية في عطلتها السنوية والصحافة اليومية تشتغل بنصف صحافييها، اختار الهمة أن يكذب نفسه وأن يعلن عن تأسيس حزب سياسي جديد.

وبسرعة قياسية تأسس الحزب ولشدة جوعه السياسي ابتلع أربعة أحزاب دفعة واحدة. بعضها كحزب الكولونيل عبد الله القادري بقي عالقا في حنجرته، ليس بسبب حجم القادري ولكن تحديدا بسبب طول لسانه. فقد فضح الهمة عندما قال في تصريح صحافي بأن هذا الأخير يتحرك بتوجيهات ملكية.

ومنذ أن نزل الهمة من علياء الداخلية إلى صحراء السياسة حاملا رسالته مبشرا بالديمقراطية الموعودة، وهو لا يتعب من ترديد لازمة مملة، وهي أنه جاء ليدافع عن مشروع سياسي ديمقراطي حداثي ضد الانغلاق والتيئيس والعدمية. لكن، ولسبب غامض، ظلت كل مداخلاته و«مهاضراته» التي سارت بذكرها الركبان، تتحدث فقط عن وصول المغرب إلى قدم الحائط وعن نسبة الفقر التي ترتفع وفشل السياسية التعليمية وأننا في هذه البلاد لم نعد نصدر أو ننتج شيئا، وأن كل ما تبقى لدينا هو ثروتنا البشرية.

باختصار، فالمجهود الوحيد الذي بذله الهمة لكتابة البرنامج السياسي لحزبه هو قراءة الصحافة المستقلة. طبعا بالإضافة إلى بعض الكلمات الرنانة والمفاهيم السياسية التي ظل يسمعها طيلة عشر سنوات من معرفته بصديقه «العريس» صلاح الوديع الذي زف نفسه هذه الأيام في آسفي فوق «تراكتور» الهمة، إضافة إلى بعض الرفاق التائبين الذين خرجوا من «بياتهم الأيديولوجي» الطويل سالمين غانمين.

هكذا نجد أنفسنا أمام حزب تأسس منذ اليوم الأول على المخادعة. ومؤسسه يقول شيئا في اليوم الأول ثم يفعل عكسه في اليوم الموالي. وفوق هذا وذاك يعتقد أن المغاربة أغبياء ولا يميزون بين الديمقراطية وعكسها. ويبدو أن الهمة من كثرة ما كرر كذبة «حركة لكل الديمقراطيين» في كل «مهاضراته» فقد صدقها أخيرا وانطلت عليه. كما قد يكون صدق أن كل أولئك الانتهازيين والوصوليين الذين يركضون وراء جراره إنما يصنعون ذلك لأنهم يحملون هم هذا الوطن ويريدون المساهمة في إخراجه من النفق المسدود الذي دخله منذ سنوات.

والحال أن أغلبهم إما فاشل في حياته السياسية لم يستطع دخول البرلمان أو الحكومة عن طريق الأحزاب التقليدية فاختار اللحاق بالفرقة الناجية ومهديها المنتظر، وإما مرتد عن أفكاره وقناعاته القديمة أفلحت جلسات السمر حول «طواجين سميرة في الضيعة» في تضميد «جراح الصدر العاري»، وإما خليط من مناضلي أحزاب «الكيلو» التي كان الهمة في بدايات فترة تدريبه بوزارة الداخلية جالسا مثل تلميذ يرى كيف يخرجها إدريس البصري من أكمام معطفه كأي ساحر محترف.

فهل رأيتم حزبا يؤسس للديمقراطية يحشر كل هذه الأشكال المتنافرة في طنجرة ضغطه من اليساريين التائبين والانتهازيين «المحلفين» و«المناضلين» الرحل الذين يستوي عندهم تغيير حزبهم بتغيير جواربهم.
ولعل ما يجهله الهمة وصحبه هو أن الديمقراطية ليست مجرد شعار، وإنما ممارسة على أرض الواقع. وعندما يجمع الهمة أعيان مدينة مراكش على مائدة عشاء لحشد الدعم لمرشحه، فإنه يقترف الخطأ نفسه الذي اقترفه البحراوي عمدة الرباط والذي تابعته المحكمة بسببه بتهمة حملة انتخابية سابقة لأوانها. فلماذا لم تتحرك السلطات في مراكش لاعتقال الحاضرين في ذلك اللقاء الذي نظمه الهمة قبل انطلاق الموعد القانوني للحملة. ببساطة لأن الذي قام بإشعار السلطات بالرباط وتسبب في اعتقال أنصار البحراوي ومحاكمته، تمت معاقبته بنقله من منصبه كمسؤول في الاستعلامات العامة إلى «تيروار» في وزارة الداخلية. وليس هناك مسؤول واحد في مراكش يريد أن ينتهي نفس النهاية لمجرد السهر على تطبيق قانون الانتخابات حرفيا.

ولعل أول امتحان تعرض له الهمة وحزبه هو ذلك الاستقبال الشعبي الذي خصته به جماهير اليوسفية. والتي شنفت أسماعه بشعارات مناوئة له تنصحه بالعودة من حيث أتى لأن اليوسفية ليست له، صارخة في وجهه «هذا صوت الجياع والهمة يعطي التيساع».

لعل هذه «المقبلات» المرة التي تذوقها الهمة ومرشحه في اليوسفية تعطيه فكرة صغيرة عما ينتظره خلال الانتخابات المقبلة. وهي على العموم «مقبلات» سيتمكن الهمة وصحبه من التغلب على مذاقها بصحون «القطعة» التي ستتكلف بها القناة الثانية والأولى ووكالة الأنباء الرسمية، والذين لن يدخروا جهدا في الوقوف إلى جانب ولي نعمتهم الذي وضعهم واحدا واحدا في مناصبهم.

هذه إذن هي الحالة الديمقراطية التي توجد عليها المملكة السعيدة، وهي حالة «تشفي العدو» كما ترون. وعلينا أن ننتظر قليلا ما يكفي لوصول الهمة وفريق إنقاذه إلى البرلمان واقتحام أسوار الحكومة المقبلة لكي تكتمل المهزلة. آنذاك سيفهم الجميع أن المغرب ليس فيه نظام ديمقراطي أو نظام ديكتاتوري، وإنما كل ما يوجد به هو النظام الديموتراكتوري.

ذئاب في صورة حملان

يحاول بعض «فقهاء» السياسة الإعلامية الأمنية أن يقدموا الصحافة المستقلة لأولياء الأمر كخطر يهدد وجودهم. وقد ذهب بعضهم هذه الأيام في جريدته إلى حد استصدار شهادات حسن السيرة والسلوك للصحافيين، وبطاقات تثبت نسبة الحس الوطني يوزعها على البعض ويحرم منها البعض الآخر بدعوى خيانته أوعمالته لجهات خارجية.

الأمر أشبه كثيرا بمحاكم تفتيش جديدة، يقوم قضاتها المحلفون بتقديم هذه الصحافة كخطر داهم يهدد الاستقرار في المملكة السعيدة. ومفتشو النوايا هؤلاء الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، وهم الخباشي مدير الوكالة وسميرة سيطايل نائبة مدير القناة الثانية وعلي بوزردة مدير أخبار القناة الأولى، وفيصل العرايشي مدير القطب العمومي، «يسوطون» على خبزهم في المحيط الملكي، وذلك بتصويرنا نحن قبيلة الصحافيين المستقلين كمساخيط للملك، لا يحسنون غير انتقاد المبادرات الملكية والحكومية.

عندما ذهب الملك إلى وجدة قبل أسبوع، وأقال الكولونيل ماجور أكعبون ومعه أربعة رجال درك بسبب تورطهم في التهريب على الحدود المغربية الجزائرية، لم يتذكر هؤلاء «المفتشون الجدد» أننا أرسلنا قبل ستة أشهر فريقا صحافيا إلى الحدود المغربية الجزائرية وأنجزنا تحقيقا مفصلا حول التهريب. ونشرنا تفاصيل مدققة حول الثمن الذي يفرضه بعض رجال الدرك المرتشين على مرور البهائم والسيارات والبشر، محملين بمواد التهريب. ومع ذلك لم ير الجنرال حسني بنسليمان داعيا لفتح تحقيق في الموضوع، وبقيت الأمور على حالها إلى أن ذهب الملك بنفسه إلى وجدة وأعطى أوامره باعتقال الكولونيل ماجور والتحقيق معه وجرد ممتلكاته. مثلما وقع قبل أسبوع مع عامل خنيفرة السابق، والذي يخضع هو الآخر بأمر من الملك إلى تحقيق مفصل مع جرد لممتلكاته.

وقبل أسبوع عندما ذهب الملك بشكل مفاجئ إلى المستشفى العسكري بالرباط ليقف بنفسه على أسباب عدم تقديم المساعدة الطبية لإحدى قريباته، اكتشف أن جهاز السكانير لا يشتغل في أكبر مستشفى عسكري في المغرب، وأن المرضى يتزاحمون في قاعة الانتظار دون أن يجدوا من يستقبلهم ويمدهم بالإسعافات الطبية الضرورية، فأعفى جنرالين دفعة واحدة من مهامهما بالمستشفى. وهو الطلب الذي ظل أطباء المستشفى وممرضوه يتمنونه لسنوات طويلة.

وقد كنا كتبنا قبل سنة عن الفوضى التي أصبح يعرفها المستشفى العسكري بالرباط. وعن خضوع الأطباء على يد الجنرالين عرشان وتوبان إلى ما يشبه الاعتقال التعسفي في المستشفى بلغ بالبعض منهم حد تحمل الصفع والشتائم البذيئة أثناء العمل. دون أن نتحدث طبعا عن ميزانيات الأدوية التي تتبخر، والمعدات الطبية التي لا توجد سوى في الأوراق.

ولعله من المدهش أن نكتشف أن التهمة التي تحقق بسببها القيادة العليا للدرك مع الكولونيل ماجور أكعبون، هي نفسها التهمة التي برهن الجنديان الجالطي والزعيم عليها بالصورة والصوت عندما ضبطا عناصر من الجيش متورطة في جريمة التهريب على الحدود. وعندما سلما الأشرطة لمسؤوليهما كان جزاؤهما السجن لسبع وثماني سنوات، بينما تركت القيادة العليا للدرك المهربين يشتغلون بهدوء وأمان، ويجمعون الثروات التي ستحار القيادة العليا في إحصاء واحدة من بين المئات منها توجد الآن بين أيديها بعد توقيف الكولونيل ماجور أكعبون.

لو قام الجنرال حسني بنسليمان بواجبه بمجرد توصله بالأشرطة التي صورها الجالطي والزعيم قبل سبع سنوات، وأعطى أوامره بتوقيف الضباط المهربين ومعاقبتهم لما احتاج الملك اليوم للذهاب إلى وجدة لكي يوقف الكولونيل ماجور ورجال الدرك معه.

إن سياسية الإفلات من العقاب بالنسبة للمفسدين، ومعاقبة الشرفاء الذين يفضحون الفساد، هي أخطر سياسة يطبقها المسؤولون المدنيون والعسكريون في المغرب. وعوض الحديث طيلة الوقت عن قوانين جديدة لمحاربة الرشوة، فنحن بحاجة إلى قانون واحد مهم جدا ومستعجل هو قانون حماية الشهود. الشرفاء في هذا البلد بحاجة إلى قانون يحميهم عندما يفكرون في فضح الفساد والمفسدين. لا إلى قانون يحاكمهم لمجرد أنهم قاموا بواجبهم الوطني والديني وأشاروا بأصابعهم إلى الذئاب المتنكرة في صوف الحمل والتي تلتهم القطيع بشراهة.

إن ما وقع للجالطي والزعيم وأديب وغيرهم من الذين قرروا عدم الانخراط في مؤامرة الصمت داخل المؤسسة العسكرية يستحق وقفة تأمل عميقة. خصوصا وأن كل ما حاولوا فضحه قبل سنوات أصبح الملك يقف عليه بنفسه، ويتخذ الإجراءات الفورية بتوقيف وجرد ممتلكات المتورطين فيه.

هذا يعني أن هؤلاء الشرفاء الذين تم الزج بهم في غياهب السجون كان المفروض فيهم أن يتلقوا أوسمة الشرف، وأن تتم ترقيتهم إلى رتب أعلى حتى تعطي بهم مؤسسة الجيش المثال في الاستقامة ونظافة اليد وطهارة الذمة.

إن بلادا تجازي أبناءها الشرفاء بالسجن والتشرد بلاد تقتل قيم النبل والشرف في الأجيال القادمة، وتشجع قيم الانتهازية والوصولية وسائر أشكال الفساد.

لذلك فليس مستغربا في بلادنا أن تسمع عن سجن كل من فضح الفساد من حوله، ومن لا يستطيعون سجنه يلفقون له تهمه الجنون. وقبل أسبوع ذهب أحد الكوماندارات الذين يشتغلون في أحد اليخوت الملكية بالدار البيضاء إلى مصلحة المداومة بالحي الحسني لكي يبلغ عن الخروقات والتلاعبات التي يعرفها اليخت الملكي «VEDETTE». وقال لرجال الأمن الذين استمعوا إليه أنه يتهم شخصين بالوقوف وراء هذه التلاعبات، يهددانه باستمرار.

وفي لمح البصر تقاطر على مصلحة المداومة كل أنواع الجيش بمختلف الرتب العسكرية، وأخذوا الكوماندار إلى وجهة مجهولة، بعد أن أقنعوا الشرطة بأن الكوماندار يعاني من اضطرابات عقلية.

هناك أمر من اثنين، إما أن هؤلاء العسكريين الكبار خافوا على مصالحهم وأرعبهم لجوء الكوماندار إلى الشرطة لفضح ما يدور في اليخت الملكي، وإما أن الكوماندار يعاني بالفعل من اضطرابات عقلية. وفي هذه الحالة يجب محاسبة مسؤوليه العسكريين المباشرين الذين سمحوا بتوظيف كوماندار مختل عقليا في يخت ملكي، بما في ذلك من تعريض لحياة الملك للخطر.

وبمناسبة الحديث عن تعريض حياة الملك للخطر، فالذين يجب أن يحاسبوا على هذه التهمة ليس فقط الذين سمحوا بتوظيف هذا الكوماندار في اليخت الملكي، إذا ثبت فعلا أنه مختل عقليا، وإنما أيضا والي الدار البيضاء وعمدتها ورؤساء أمنها الذين شاهدوا جميعا كيف سقط عمود ضوء حديدي على بعد ثلاثة أمتار من الملك عندما خرج من المسجد العتيق بعد صلاة الجمعة الأخيرة.

وما لا يعرفه الملك هو أن المبلغ الذي وهبه قبل ثمانية أشهر من أجل إصلاح المسجد والذي يقارب 600 مليون، لم يظهر له أثر بعد افتتاحه خلال رمضان الحالي. فبعد ستة أشهر من الإصلاح لاحظ المصلون أن المسجد بقي على حاله بنفس الزرابي ونفس الحصائر. وأن كل ما تغير هو الجدران التي صبغوها مع إصلاح جزء من السقف وتسوية الأرض.

وعندما علموا بأمر الزيارة الملكية للمسجد من أجل الصلاة، سارعوا إلى إزالة السور القصير الذي كان بجانب المسجد وغرسوا الورود والأشجار في جنباته، والتي تقف عادة «سربيس» إلى أن يغادر الملك فيتم اقتلاعها لأخذها وغرسها في أمكنة أخرى. وقد كانوا يريدون غرس أعمدة ضوء جديدة أمام المسجد لتعويض الأعمدة القديمة، لكن الزيارة الملكية أدركتهم فتركوا الأعمدة الجديدة جانبا وصبغوا الأعمدة القديمة التي يعود تاريخها إلى سنة 1964. وهكذا صادف خروج الملك من المسجد سقوط أحد تلك الأعمدة الحديدية المزوقة بالصباغة على بعد ثلاثة أمتار منه. فسرت حالة من الفوضى وأشهر حراس الملك الشخصيون أسلحتهم تحسبا للأسوأ.

غالبا ما لا يولي المسؤولون أهمية تذكر للسرقات الصغيرة التي تتعرض لها الهبات والميزانيات المرصودة للإصلاحات العمرانية. إلى اليوم الذي اتضح فيه للجميع أن الإهمال الذي يتعرض له عمود ضوء يمكن أن يتسبب في كارثة لا قدر الله.

وسكان الدار البيضاء متعودون على هذا الإهمال والذي يتسبب في سقوط الأعمدة فوق رؤوسهم بين وقت وآخر، لكن أن يسقط عمود الضوء خلال الزيارة الملكية وعلى بعد ثلاثة أمتار من الملك، فهذا ما لم يتوقعه أحد. فيبدو أن الله أراد أن يفضح هؤلاء المسؤولين المنافقين ويكشف عورتهم المستورة بالأصباغ الكاذبة أمام الملك، حتى يتبين الملك الذين ينافقونه ويكذبون عليه ويسرقون هباته من الذين يقولون له الحقيقة ويصورون له المشهد كما هو، بدون ألوان خادعة.